ليثيبهم اللّه ثوابا أكثر من أعمالهم ، وجعل أبو حيان قسيم قوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
[ البقرة : 25 ] محذوفا لدلالة قوله :
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ
عليه ، لأنه كناية عن بغضه لهم ، الموجب لغضبه سبحانه ، وغضبه يستتبع عقوبته ؛ وقيل : تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس ، وفيه تهديد ووعيد لهم .
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ
أي : ومن دلالات بديع قدرته تعالى إرسال الرياح ، أي الشمال ، والصبا ، والجنوب ، فإنها رياح الرحمة ، وأما الدبور فهي ريح العذاب ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » قرىء الرياح بالجمع والإفراد على قصد الجنس لأجل قوله
مُبَشِّراتٍ
بالمطر لأنها تتقدمه ؛ كما في قوله سبحانه بشرا بين يدي رحمته .
وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
أي : يرسلها ليذيقكم بها الغيث والخصب ، أو نعمته من المياه العذبة ، والأشجار الرطبة ؛ وصحة الأبدان ، وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا اللّه . وقيل : اللام متعلقة بمحذوف ، أي وأرسلها ليذيقكم ، وقيل : الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك فتتعلق اللام بيرسل و
مِنْ
تبعيضية .
وَ
يرسل الرياح
لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ
في البحر عند هبوبها ، ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه بقوله :
بِأَمْرِهِ
أي : بتدبيره أو بتكوينه ، كقوله : إنما أمره إذا أراد شيئا الآية
وَلِتَبْتَغُوا
الرزق
مِنْ فَضْلِهِ
بالتجارة التي تحملها السفن
وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
هذه النعم فتفردون اللّه بالعبادة ، وتستكثرون من الطاعة .
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ
كما أرسلناك إلى قومك ، وهذا تسلية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين معنى ، أي : قوله :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ
، وقوله : اللّه الذي يرسل الرياح ، وقال أبو حيان جاء تأنيسا له صلّى اللّه عليه وسلم ووعدا بالنصر ووعيدا لأهل الكفر ، وحقية نصر المؤمنين على اللّه لا تختص بالدنيا بل تعم الآخرة أيضا فما في الآخرة من متناولات الآية .
فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ
أي : بالمعجزات الواضحات ، والحجج النيرات ، على صدقهم في رسالتهم إليهم ، فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم ، ويدل على هذا الإضمار قوله :
فَانْتَقَمْنا
بالإهلاك في الدنيا
مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا
أي : فعلوا الإجرام وهي الآثام .
وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين هذا إخبار من اللّه سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه ، وهو صادق الوعد ، لا يخلف الميعاد ، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين .
أخرج الطبراني ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والترمذي عن أبي الدرداء قال :