تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وَكَأَيِّنْ
قد تقدم الكلام فيها وأنها أي دخلت عليها كاف التشبيه ، وصار فيها معنى كم كما صرح به الخليل وسيبويه ، وتقديرها عندهما كشيء كثير من العدد
مِنْ دَابَّةٍ
وقيل : المعنى وكم من دابة ذات حاجة إلى غذاء
لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا
أي لا تطيق حمله لضعفها ، ولا تدخره لغد ، ولا ترفعه معها مثل البهائم والطير .
اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ
أي إنما يرزقها اللّه من فضله ويرزقكم ، فكيف لا تتوكلون على اللّه مع قوتكم وقدرتكم على أسباب العيش كتوكلها على اللّه مع ضعفها وعجزها . قال الحسن : تأكل لوقتها لا تدخر شيئا ، وقال مجاهد : يعني الطير والبهائم تأكل بأفواهها ولا تحمل شيئا . وعن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « لو أنكم تتوكلون على اللّه حق وتوكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 1 » أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ، والمعنى أنها تذهب أول النهار جياعا ضامرة البطون وتروح آخر النهار إلى أوكارها شباعا ممتلئة البطون ، ولا تدخر شيئا . قال سفيان بن عيينة : ليس شيء من خلق اللّه يخبىء إلا الإنسان والفأرة والنملة ، سوّى سبحانه وتعالى في هذه الآية بين الحريص والمتوكل في الرزق ، وبين الراغب والقانع ، وبين الجلد والعاجز يعني أن الجلد لا يتصور أنه مرزوق بجلده ، ولا يتصور العاجز أنه ممنوع من الرزق بعجزه .
وَهُوَ السَّمِيعُ
الذي يسمع كل مسموع
الْعَلِيمُ
بكل معلوم . أخرج عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وابن عساكر ، قال السيوطي : بسند ضعيف عن ابن عمر قال : خرجت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان المدينة فجعل يلتقط التمر ويأكل ، فقال لي : « ما لك لا تأكل ؟ » قلت : لا أشتهيه يا رسول اللّه ، قال : « لكني أشتهيه ، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ، ولم أجده ، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم ويضعف اليقين » ؟ قال : فواللّه ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا
، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات ، ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ؛ ولا أخبىء رزقا لغد » ، وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته ما كان عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة ، وفي إسناده أبو العطوف الجزري وهو ضعيف . ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم ، وعجب السامع من كونهم يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه ولا يتركون عبادة غيره فقال :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 33 ، وابن ماجة في الزهد باب 14 ، وأحمد في المسند 1 / 30 ، 52 .