تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ويلعبون به ، وأما القرب ، كالصلاة ، والصوم والحج والاستغفار ، والتسبيح فمن أمور الآخرة لظهور ثمرتها فيها . واللهو هو الاستمتاع بلذات الدنيا وقيل : هو الاشتغال بما لا يعنيه وما لا يهمه ، واللعب هو العبث ، وقيل : اللهو هو الإعراض عن الحق بالكلية ، واللعب : الإقبال على الباطل ، قاله الرازي . وفي هذا تصغير للدنيا وازدراء بها ، ومعنى الآية أن سرعة زوال الدنيا عن أهلها ، وتقلبهم فيها ، وموتهم عنها ، كما يلعب الصبيان ساعة ثم ينصرفون .
وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ
أي الحياة الدائمة الخالدة التي لا موت فيها ، قال أبو عبيدة ، وابن قتيبة : إن الحيوان الحياة ، قال الواحدي وهو قول جميع المفسرين ، ذهبوا إلى أن معنى الحيوان ههنا الحياة ، وأنه مصدر ، بمنزلة الحياة فيكون كالنزوان والغليان ، وواو الحيوان مقلوبة عن ياء عند سيبويه وأتباعه ، وقال أبدلت شذوذا وكذا في حياة علما وقال أبو البقاء : لئلا يلتبس بالتثنية ، وغير سيبويه ، حمل ذلك على ظاهره ، فالحياة عنده لامها واو ، ولا دليل لسيبويه في حي ، لأن الواو متى انكسر ما قبلها قلبت ياء نحو : عرى ورعى ورضى ، والتقدير لهي دار الحيوان أو ذات الحيوان ، أي : دار الحياة الباقية التي لا تزول ، أو لا ينغصها موت ولا مرض ولا هم ولا غم ، وقدر أبو البقاء أن حياة الدار وذلك ليتطابق المبتدأ والخبر والمبالغة أحسن : قال ابن عباس هي الحيوان ؛ أي الباقية . وعن أبي جعفر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « يا عجبا كل العجب من مصدق بدار الحيوان ، وهو ليسعى لدار الغرور » أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب وهو مرسل
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
أن الحياة هي حياة الآخرة ، أو يعلمون شيئا من العلم لما آثروا الدار الفانية المنغصة على الآخرة الباقية ، ثم بيّن سبحانه أنه ليس المانع لهم من الإيمان إلا مجرد تأثير الحياة فقال :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ
أي : إذا انقطع رجاؤهم من الحياة وخافوا الغرق فقال : رجعوا إلى الفطرة ، والركوب هو الاستعلاء وهو متعد بنفسه ، وإنما عدى بكلمة ( في ) للإشعار بأن المركوب في نفسه من قبيل الأمكنة
دَعَوُا اللَّهَ
وحده
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
بصدق نياتهم ، وتركهم عند ذلك لدعاء الأصنام لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير اللّه سبحانه .
فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ
وآمنوا
إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ
أي فاجأوا المعاودة إلى الشرك ودعوا غير اللّه سبحانه ، وعادوا إلى ما كانوا عليه من العناد . وقيل : كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا الأصنام ، فإذا اشتد الريح ألقوها في البحر ، وقالوا يا رب يا رب
لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ
من نعمة الإنجاء .
وَلِيَتَمَتَّعُوا
أي فاجأوا الشرك باللّه ليكفروا ويجحدوا بنعمة اللّه وليتمتعوا بها ،
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 254 | صديق الحسيني القنوجي البخاري