فاللام في الفعلين لام كي ، وفيه شيء لأنه ليس الحامل لهم على الإشراك قصد الكفر ، والظاهر أنها لام العاقبة والمآل ، كما أشار له الشهاب ، وقيل : اللام للتعليل ، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا التمتع به في العاجلة ولا نصيب لهم في الآخرة . وقيل :
هما لاما الأمر تهديدا ووعيدا أي : اكفروا بما أعطيناكم من النعمة ، وتمتعوا . ويدل على هذا المعنى قراءة أبيّ وتمتعوا ، وهذا الاحتمال للأمرين إنما هو على قراءة أبي عمرو ، وورش بكسر اللام ، وأما على قراءة الجمهور بسكونها ، فلا خلاف أنها لام الأمر .
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ
عاقبة ذلك الأمر وما فيه من الوبال عليهم ، وفيه تهديد لهم عظيم .
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 67 إلى 69 ]
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ( 67 ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 68 ) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( 69 )
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي ألم ينظر كفار قريش
أَنَّا جَعَلْنا
حرمهم أي بلدهم مكة
حَرَماً آمِناً
يأمن فيه ساكنه من الغارة ، والقتل ، والسبي ، والنهب ، فصاروا في سلامة وعافية مما صار فيه غيرهم من العرب ، فإنهم في كل حين تطرقهم الغارات ، ويجتاح أموالهم الغزاة ، وتسفك دماءهم الجنود وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها .
وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ
جملة حالية ، أي وهم يتخطف الناس
مِنْ حَوْلِهِمْ
بالقتل والسبي والنهب والخطف : الأخذ بسرعة ، وقد مضى تحقيق معناه في سورة القصص ، والجملة حالية
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
وهو الشرك والأصنام والشيطان بعد ظهور حجة اللّه عليهم وإقرارهم بما يوجب التوحيد
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ
أي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم والإسلام ويجعلون كفرها مكان شكرها وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره .
وَمَنْ
أي : لا أحد
أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
وهو من زعم أن للّه شريكا
أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ
أي كذب بالرسول الذي أرسل إليه ، أو الكتاب الذي أنزله على رسوله . وقال السدي : بالتوحيد والظاهر شموله لما يصدق عليه أنه حق ، ثم هدد المكذبين وتوعدهم فقال :
أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ
أي مكان يستقرون فيه ، والاستفهام للتقرير ، والمعنى أليس يستحقون الاستقرار فيها ؟ وقد فعلوا ما فعلوا لأن همزة الإنكار ، إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع إلى معنى التقرير . أو ألم يصح عندهم أن جهنم مثواهم حين اجترأوا مثل هذه الجرأة ؟
ثم لما ذكر حال المشركين الجاحدين التوحيد ، الكافرين بنعم اللّه ، أردفه بحال عباده الصالحين فقال :