ماتوا ، وأنه خاتم الأنبياء ، فكيف ينشأ عن هذه الآية ما نقل عنه علي رضي اللّه عنه من قوله أيموت الخلائق ويبقى الأنبياء ؟ فلعل هذه الرواية لا تصح مرفوعة ولا موقوفة .
[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 58 إلى 63 ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ( 58 ) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 59 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 60 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 )
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 )
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
في هذا ترغيب إلى الهجرة ، وأن تجزاء من هاجر أن يكون في غرف الجنة كما قال
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
أي لننزلنهم ، وهو مأخوذ من المباءة وهي الإنزال ، وقرىء لنثوينهم بالثاء ، والمعنى لنعطينهم غرفا يثوون فيها من الثوى ، وهو الإقامة قال الزجاج : يقال : ثوى الرجل إذا أقام وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه . قال الأخفش : لا تعجبني هذه القراءة لأنك لا تقول : أثويته الدار ، بل تقول : في الدار ، وليس في الآية حرف جر في المفعول الثاني .
مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
أي : غرف الجنة وهي علاليها جمع عليه ، ثم وصف سبحانه تلك الغرف فقال
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي من تحت الغرف
خالِدِينَ فِيها
أي مقدرين الخلود في الغرف ، لا يموتون أبدا ، أو في الجنة ، والأول أولى .
نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
للأعمال الصالحة أجرهم ، بيّن في هذه الآية : أن للمؤمنين الجنات في مقابلة أن للكافرين النيران ، وأن فيها غرفا تحتها الأنهار : في مقابلة أن تحت الكافرين النار ، وبيّن أن ذلك أجر عملهم بقوله : نعم أجر العاملين في مقابلة ما تقدم للكافر بقوله :
ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ العنكبوت : 55 ] ، ولم يذكر ما فوق المؤمنين لأنهم في أعلى عليين فلم يذكر فوقهم شيئا إشارة إلى علو مرتبتهم ، وارتفاع منزلتهم ، ولم يجعل الماء من تحت أقدامهم ، بل من تحت غرفهم لأن الماء يكون ملتذا به في أي جهة كان ، وعلى أي بعد كان إذا كان تحت الغرفة ذكره الرازي ،
ثم وصف هؤلاء العاملين بقوله :
الَّذِينَ صَبَرُوا
على مشاق التكاليف ، وعلى أذية المشركين لهم ، والهجرة لإظهار الدين وعلى الطاعة ، وعن المعاصي ، ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
أي : يفوضون أمورهم إليه في كل إقدام وإحجام ،
ثم ذكر سبحانه ما يعين على الصبر والتوكل ، وهو النظر في حال الدواب فقال :