تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
التحقق والمبالغة أو يراد بجهنم أسبابها الموصلة إليها فلا تأويل في قوله : محيطة ، والأول أظهر ، والمراد بالكافرين جنسهم ، فيدخل فيه هؤلاء المستعجلون دخولا أوليا ، والمعنى أن جهنم جامعة لهم لا يبقى منهم أحد إلا دخلها . قال ابن عباس : جهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه ، وتكون فيه الشمس والقمر ، ثم يستوقد فيكون هو جهنم ، وفي هذا نكارة شديدة ! فإن الأحاديث الكثيرة الصحيحة ناطقة بأن جهنم موجودة مخلوقة على الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة ، ثم ذكر سبحانه كيفية إحاطة العذاب بهم فقال :
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ
أي من جميع جهاتهم لقوله تعالى :
مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ
[ الزمر : 16 ] ، فإذا غشيهم العذاب على هذه الصفة فقد أحاطت بهم جهنم . قيل : خص الجانبين ولم يذكر اليمين ولا الشمال ، ولا الخلف ولا الأمام ، لأن المقصود ، ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا ، فنار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع ، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه ويمينه وشماله ، وأما النار من فوق فلا تنزل وإنما تصعد من أسفل في العادة ، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم بل تطفأ ، ونار جهنم تنزل من فوق ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم ، ذكره الرازي .
وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
والقائل هو اللّه سبحانه وتعالى أو بعض ملائكته بأمره في ذلك اليوم ، أي ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والمعاصي ، فلا تفوتوننا قرىء : نقول بالنون وبالتحتية لقوله :
قُلْ كَفى بِاللَّهِ
[ الرعد : 43 ] ، وقرىء : ويقال ذوقوا ، ولما ذكر سبحانه حال الكفرة من أهل الكتاب ومن المشركين وجمعهم في الإنذار ، وجعلهم من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المسلمين بكل وجه فقال اللّه سبحانه :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 56 إلى 57 ]

يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ( 56 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 57 )
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
أضافهم إليه بعد خطابه لهم تشريفا وتكريما ، والموصول صفة موضحة أو مميزة
إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
قيل : نزلت في ضعفاء مسلمي أهل مكة . يقول اللّه : إن كنتم في ضيق في مكة من إظهار الإيمان ، وفي مكايدة للكفار فأخرجوا منها لتتيسر لكم عبادتي وحدي ، وتتسهل عليكم . وقيل : نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة ، وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة ، فأنزل اللّه هذه الآية ولم يعذر لهم بترك الخروج . قال الزجاج : أمروا بالهجرة من الموضع الذي لا تمكنهم فيه عبادة اللّه ، وكذلك يجب على كل من كان