في بلد يعمل فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ أن يعبد اللّه حق عبادته ، وقال مطرف بن الشخير : المعنى أن رحمتي واسعة ورزقي لكم واسع ، فابتغوه في الأرض . وقيل : البلاد والبقاع تتفاوت في ذلك تفاوتا كثيرا ، قال علي القاري رحمه اللّه : وأما اليوم فإنا بحمد اللّه لم نجد أعون على قهر النفس ، وأجمع للقلب ، وأحث على القناعة ، وأطرد للشيطان ، وأبعد من الفتن وأربط للأمر الديني ، وأظهر له من مكة حرسها اللّه تعالى .
أقول : لولا ما فيها الآن من استطالة أهل البدع على أهل السنة وإيثار التنظيمات السلطانية على الأحكام الرحمانية ، وظلم أهل المكس على الحجاج ، وعدم الانتصاف من أهل الاعتساف ، والحجر على العمل بالسنة ، والتمسك بالحق ، واللّه يفعل ما يشاء ويحكم على ما يريد .
قال سهل : إذا ظهرت المعاصي والبدع في أرض فأخرجوا منها إلى أرض المطيعين ، قلت وأنّى لنا هذا اليوم ؟ ولو علمنا أرضا طائعة على وجه البسيطة على حسب ما نطق به الكتاب والسنة أو ما ذهب إليه فقهاء الأمة لخرجنا إليها إن شاء اللّه تعالى ؛ ولكن كم من أمنية ضاعت فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، وروي مرفوعا : من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة ، ولينظر في سنده وتخريجه ، وقيل : المعنى : إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة .
فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
حتى أورثكموها ، وانتصاب إياي بفعل مضمر ، أي : فاعبدوا إياي ،
ثم لما صعب على المؤمنين ترك الأوطان ، ومفارقة الإخوان ، خوفهم سبحانه بالموت ليهون عليهم أمر الهجرة ، وشجع المهاجرين لئلا يقيموا بدار الشرك خوفا من الموت فقال :
كُلُّ نَفْسٍ
من النفوس
ذائِقَةُ الْمَوْتِ
أي : واجدة مرارة الموت وكربه ومشاقة لا محالة كما يجد الذائق طعم المذوق فلا يصعب عليكم ترك الأوطان ومفارقة الإخوان ، وهجر الخلان ، بل الأولى أن يكون ذلك في سبيل اللّه فيجازيكم عليه ، فلا تخافوا من بعد الشقة ومقاساة المشقة
ثُمَّ إِلَيْنا
لا إلى غيرنا .
تُرْجَعُونَ
بالموت والبعث إلينا فكل حي في سفر إلى دار القرار ، وإن طال لبثه في هذه الدار .
عن عليّ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لما نزلت :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
[ الزمر :
30 ] قلت : يا رب أيموت الخلائق كلهم ويبقى الأنبياء ؟ فنزلت :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
، الآية أخرجه ابن مردويه ، وينظر كيف صحته ؟ فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن يسمع قول اللّه سبحانه :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
يعلم أنه ميت ، وقد علم أن من قبله من الأنبياء قد