تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أتى بشيئين ، أحدهما يتعلق بالذوات ؛ وهو هذا ، والثاني يتعلق بالصفات ، وهو قوله
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
، خلقها ، لا يقدرون على إنكار ذلك ، ولا يتمكنون من جحوده .
فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
أي : فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده بالإلهية ؟ وأنه وحده لا شريك له ؟ والاستفهام للإنكار والاستبعاد . ذكر في السماوات والأرض الخلق ، وفي الشمس والقمر التسخير ، لأن مجرد خلقهما ليس حكمة ، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد لا تتحرك ما حصل الليل والنهار ، ولا الصيف ولا الشتاء ، فحينئذ الحكمة إنما هي في تحريكهما وتسخيرهما ، ولما قال المشركون لبعض المؤمنين : لو كنتم على حق لم تكونوا فقراء دفع اللّه سبحانه ذلك بقوله :
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ
أي التوسيع في الرزق والتقتير له هو من اللّه الباسط القابض ، يبسطه لمن يشاء ، ويضيقه على من يشاء ، على حسب ما تقضيه حكمته ، وما يليق بأحوال عباده من القبض والبسط ، ولهذا قال :
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم ومنه البسط والتضييق .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها
أي جدبها ، وقحط أهلها
لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
أي يعترفون بذلك لا يجدون إلى إنكاره سبيلا فكيف يشركون به بعد هذا الإقرار ؟ ثم لما اعترفوا هذا الاعتراف في هذه الآيات ؛ وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك وعدم إفراد اللّه سبحانه بالعبادة أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يحمد اللّه على إقرارهم بذلك وعدم جحودهم ، مع تصلبهم في العناد ، وتشددهم في ردّ كل ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من التوحيد ، فقال :
قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
أي : أحمد اللّه على أن جعل الحق معك ، وأظهر حجتك عليهم ، وقيل : على إنزال الماء ، وإحياء الأرض بالنبات ، والأول أولى ، ثم ذمهم فقال :
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
الأشياء التي يتعقلها العقلاء فلذلك لا يعلمون بمقتضى ما اعترفوا به مما يستلزم بطلان ما هم عليه عند كل عاقل ، ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا وتصغيرها ، وأنها من جنس اللعب واللهو ، وهي لا تزن عند اللّه جناح بعوضة ، وأن الدار على الحقيقة هي الدار الآخرة فقال :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 64 إلى 66 ]

وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 ) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( 65 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 66 )
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ
أي : من جنس ما يلهو به الصبيان