تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
كانوا يفعلون ما يكون سببا لقطع الطريق ، من غير تقييد بسبب خاص ، وقيل : إن معنى قطع الطريق قطع النسل بالعدول عن النساء إلى الرجال .
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
النادي والندى والمنتدى مجلس القوم ومتحدثهم ، ولا يقال للمجلس ناد إلا ما دام فيه أهله ، واختلف في المنكر الذي كانوا يأتونه فيه ، فقيل : كانوا يحذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب . وعن أم هانىء بنت أبي طالب قالت : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية قال : « كانوا يجلسون بالطريق ، فيخذفون أبناء السبيل ، ويسخرون منهم » « 1 » . أخرجه أحمد ، والترمذي وحسنه ، وقال : لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك . وأخرج ابن مردويه عن جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « نهى عن الخذف » ، وهو قول اللّه سبحانه
وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ
وعن ابن عمر قال : في الآية هو الخذف ، وعن ابن عباس مثله . وقيل : كانوا يتضارطون في مجالسهم قالته عائشة ، وقيل : كانوا يأتون الرجال في مجالسهم ، وبعضهم يرى بعضا ، وقيل : كانوا يلعبون بالحمام ، وقيل : كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش وقيل : يبزق بعضهم على بعض ، ويلعبون بالنرد والشطرنج ، ويلبسون المصبغات ، وكان من أخلاقهم مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء وحل الإزار ، والصفير ، ولا مانع من أنهم كانوا يفعلون جميع هذه المنكرات ، قال الزجاج : في هذا إعلام أنه لا ينبغي أن يتعاشر الناس على المنكر ، وأن لا يجتمعوا على الهزء والمناهي ، ولما أنكر لوط عليهم ما كانوا يفعلون أجابوا بما حكى اللّه عنهم بقوله :
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
أي : فما أجابوا بشيء إلا بهذا القول ، رجوعا منهم إلى التكذيب واللجاج والعناد ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية ، وقد تقدم في سورة النمل
فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
[ النمل : 56 ] وتقدم في الأعراف :
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ
[ الأعراف : 82 ] وقد جمع بين هذه الثلاثة المواضع بأن لوطا كان ثابتا على الإرشاد ومكررا للنهي لهم ، والوعيد عليهم ، فقالوا له أولا ، ائتنا بعذاب اللّه ، كما في هذه الآية . فلما كثر منه ذلك ولم يسكت عنهم قالوا : أخرجوهم كما في الأعراف والنمل ، وقيل : إنهم قالوا أولا أخرجوهم من قريتكم ؛ ثم قالوا ثانيا : ائتنا بعذاب اللّه ، ثم إن لوطا لما يئس منهم طلب النصرة عليهم من اللّه سبحانه .
هامش
( 1 ) أخرجه بلفظ : « كانوا يحذفون أهل الأرض ويسخرون منهم » الترمذي في تفسير سورة 29 ، باب 2 ، وأخرجه بلفظ : « كانوا يحذفون أهل الطريق ويسخرون منهم » ، أحمد في المسند 6 / 341 ، 424 .