تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
ووحد الكتاب لأن الألف واللام فيه للجنس الشامل للكتب ، والمراد التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ومعنى إيتاء الأجر في الدنيا أنه أعطي فيها الأولاد في غير أوانه وأخبر اللّه باستمرار النبوة فيهم ، وذلك مما تقر به عينه ، ويزداد به سروره . وقيل : أجره في الدنيا أن أهل الملل كلها تدعيه ، وتقول : هو منهم ، ويثنون عليه الثناء الحسن ، ويذكره أهل الإسلام في آخر كل تشهد إلى آخر الدهر ، وقيل : أعطاه في الدنيا عملا صالحا ، وعاقبة حسنة ، وفيه دليل على أن اللّه تعالى قد يعطي الأجر في الدنيا . وعن ابن عباس قال : إن اللّه وصى أهل الأديان بدينه ، فليس من أهل الأديان دين إلا وهم يقولون إبراهيم ويرضون به ، وقال : أجر الدنيا الذكر الحسن ، وقال أيضا : الولد الصالح والثناء .
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
أي الكاملين في الصلاح المستحقين لتوفير الأجرة ، وكثرة العطاء ، والفوز بالدرجات العلا من الرب سبحانه
وَ
اذكر
لُوطاً
وقال الكسائي : المعنى وأنجينا لوطا ، أو أرسلنا لوطا
إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ
أي الخصلة المتناهية في القبح ، وهي اللواطة قرىء بالاستفهام وبغيره .
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ
الإنس والجن ، مستأنفة مقررة لكمال قبح هذه الخصلة ، وأنهم منفردون بذلك لم يسبق إلى عملها أحد من الناس على اختلاف أجناسهم قيل : لم ينز « 1 » ذكر على ذكر قبل قوم لوط من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع ، وتحاشت عنه النفوس ، حتى قدموا عليها لخبث طينتهم . وهذه الآية دالة على وجوب الحد في اللواطة ، لأنها اشتركت مع الزنا في كونها فاحشة ، وقد قال تعالى :
وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً
[ الإسراء : 32 ] هذا وإن كان قياسا إلا أن الجامع مستفاد من الآية ، قاله الرازي ، ثم بين سبحانه هذه الفاحشة فقال :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 29 إلى 30 ]

أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 29 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ( 30 )
أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ
أي : تلوطون بهم
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ
قيل : إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين ، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم ، فقطعوا السبيل بهذا السبب ، قال الفراء : كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث . وقيل : كانوا يقطعون الطريق على المارة : بقتلهم ونهبهم ، والظاهر أنهم
هامش
( 1 ) نزا ينزو نزوا ونزاء : أي وثب .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 232 | صديق الحسيني القنوجي البخاري