تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا
المشوب بالأكدار المستتبع للتحسر على الانقطاع ، فأعطي منه بعص ما أراد مع سرعة زواله . وتنغيصه عن قريب .
ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
هذا معطوف على قوله : متعناه داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له ، والمعنى ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار ، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا العذاب اقتضاه المقام . وفيه من التهويل ما لا يخفى أي ليس حالهما سواء فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا ، وهذا حال المؤمن . وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد التمتع بشيء من الدنيا ، يستوي فيه هو والمؤمن ، وينال كل واحد منهما حظه منه ؛ وهو صائر إلى النار ، فهل يستويان ؟ و ( ثم ) للتراخي في الزمان أو في الرتبة قيل : نزلت في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي جهل ، أو في علي وحمزة وأبي جهل ؛ أو في المؤمن والكافر ، أو في عمار بن ياسر والوليد بن المغيرة .
وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ
أي اذكر يوم ينادي اللّه سبحانه هؤلاء المشركين الذين عبدوا غير اللّه والقصد من هذا النداء توبيخهم وتقريعهم ، بأن معبوداتهم لم تنفعهم في هذا الوقت
فَيَقُولُ
لهم
أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ
عبدتموهم من دوني ، وأثبتّم لهم شركة في استحقاق العبادة و
كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 63 إلى 66 ]

قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ( 63 ) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 ) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ( 66 )
قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
أي حقت عليهم كلمة العذاب ، بدخول النار وهم رؤساء الضلال الذين اتخذوهم أربابا من دون اللّه كذا قال الكلبي وقال قتادة : هم الشياطين .
رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا
أي : دعوناهم إلى الغواية ، يعنون الأتباع في الكفر
أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا
أي : أضللناهم كما ضللنا ، وآثروا الكفر على الإيمان ، كما آثرنا نحن ، وكنا السبب في كفرهم ، فقبلوا منا ، فلا فرق إذا بين غينا وغيهم ، وإن كان تسويلنا لهم داعيا إلى الكفر ، فقد كان في مقابلته دعاء اللّه تعالى لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل ، وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد ، والمواعظ والزواجر ، وناهيك بذلك صارفا عن الكفر ، وداعيا إلى الإيمان .