تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
والحيرة والطغيان بالنعمة ، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة ، وفعل الكل كفرح ، وبطر الحق أي : تكبر عنده فلا يقبله . قال عطاء : عاشوا في البطر ؛ فأكلوا رزق اللّه ، وعبدوا الأصنام . وقال الزجاج والمازني معناها بطرت في معيشتها فلما حذفت ( في ) تعدى الفعل كقوله واختار موسى قومه ، وقال الفراء : هو منصوب على التفسير كما تقول بطرك مالك ، وبطرته ، ونظيره قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
[ البقرة : 130 ] ، ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين ، لأن معنى التفسير أن تكون النكرة دالة على الجنس . وقيل : إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى جهلت .
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ
أي منازلهم باقية الآثار يشاهدونها في الأسفار كبلاد ثمود ، وقوم شعيب وغيرهم ، قد خربت بما ظلموا .
لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
أي : لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمنا قليلا كالذي تمر بها مسافرا فإنه يلبث فيها يوما أو بعض يوم أو المعنى : لم يبق من يسكن فيها إلا أياما قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم ، وقيل : إن الاستثناء يرجع إلى المساكن أي : لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلة من المساكن ، وأكثرها خراب ، كذا قال الفراء وهو قول ضعيف .
وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ
لها منهم لأنهم لم يتركوا وارثا يرث منازلهم وأموالهم ، ولم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وغيرها .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 59 إلى 62 ]

وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ ( 59 ) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 )
وَما كانَ رَبُّكَ
بيان للعادة الربانية أي : ما صح ، ولا استقام ، وما كان ، وما ثبت في حكمه الماضي ، وقضائه السابق أن يكون
مُهْلِكَ الْقُرى
الكافر أهلها قبل الإنذار
حَتَّى يَبْعَثَ
ويرسل
فِي أُمِّها
أي أكبرها وأعظمها
رَسُولًا
ينذرهم . و
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا
أي تاليا عليهم آيات اللّه الدالة الناطقة بما أوجبه اللّه عليهم ، وما أعده من الثواب للمطيع ، والعقاب للعاصي ، ومخبرا أن العذاب سينزل بهم إذا لم يؤمنوا ، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها لأن فيها أشراف القوم وأهل الفهم والرأي ، وفيها الملوك والأكابر فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى وقال الحسن : أم القرى أولها : المراد بأم القرى هنا مكة كما في قوله :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ