وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
أي : قال مشركو قريش ، ومن تابعهم إن ندخل في دينك ، ونعمل به يا محمد يتخطفنا العرب من مكة ، ونتنزع منها بسرعة ولا طاقة لنا بهم ، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة وتعللاتهم العاطلة ، والتخطف في الأصل هو الانتزاع بسرعة ، وقرىء نتخطف بالجزم على جواب الأمر ، وبالرفع على الاستئناف ، ثم رد اللّه ذلك عليهم ردا مصدرا باستفهام التوبيخ والتقريع ، وألقمهم الحجر فقال :
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً
أي ألم نجعل لهم حرما ذا أمن ؟ أو مؤمنا يؤمن من دخله ؟ قال أبو البقاء : عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل ، كما صرح بذلك في قوله :
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
[ العنكبوت : 67 ] ومكن متعد بنفسه من غير أن يضمن معنى جعل ، كقوله : مكناهم فيما إن مكناكم فيه ؛ وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة ، وإلى الحرم مجاز عقلي ، ومن المعروف أنه كان تأمن فيه الظباء من الذئاب ، والحمام من الحدأة ، ثم وصف هذا الحرم بصفة أخرى ، دافعة لما عسى يتوهم من تضررهم بانقطاع الميرة بقوله :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
أي : تجمع إليه الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة ، وتحمل إليه من الشام ، ومصر ، والعراق ، واليمن وتساق إليه ، فمعنى الكلية الكثرة على سبيل المجاز ، كقوله :
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
[ النمل :
23 ] ، قرىء يجبى بالتحتية اعتبارا بتذكير كل شيء ، ووجود الحائل بين الفعل وبين ( ثمرات ) وأيضا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي . وبالفوقية اعتبارا بثمرات وقرىء ثمرات بفتحتين وبضمتين ؛ جمع ثمر بضمتين . وقرىء بفتح الثاء وسكون الميم .
رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا
أي : نسوقه إليهم رزقا من عندنا أو رازقين
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أن ما نقوله حق لفرط جهلهم ، ومزيد غفلتهم ، وعدم تفكرهم في أمر معادهم ، ورشادهم ، لكونهم ممن طبع اللّه على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة .
وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ
أي : أهل قرية كانوا في خفض عيش ودعة ورخاء ، رد لقولهم : إن نتبع الهدى معك نتخطف الخ بيّن اللّه بهذا أن الأمر بالعكس ، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس اللّه ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم فكثير من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والخصب .
ثم
بَطِرَتْ
أي : طغت وتمردت وخسرت وأشرت
مَعِيشَتَها
أي في زمن حياتها ، وقال الكرخي : كفرت نعمة معيشتها ، أي أيام حياتها وهي ما يعاش به من النبات والحيوان وغيرهما ، يعني وقع منهم البطر فأهلكوا قال الزجاج البطر الطغيان عند النعمة .
وفي القاموس : البطر محركا النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة ، والدهش