لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 96 ] الآية : والالتفات إلى نون العظمة لتربية المهابة والروعة ، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف .
وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ
معطوفة على الجملة التي قبلها والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي : وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولا يدعوهم إلى الحق في حال من الأحوال إلا حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر ، بعد الاعذار إليهم ، وتأكيد الحجة عليهم ، كقوله سبحانه :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
[ هود : 117 ] .
وَما أُوتِيتُمْ
يا كفار مكة
مِنْ شَيْءٍ
من الأشياء
فَمَتاعُ
أي فهو متاع
الْحَياةِ الدُّنْيا
تتمتعون به مدة حياتكم ، أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه ، أو يزول عنكم
وَزِينَتُها
تتزينون به أيام عيشكم ، ثم يفنى وعلى كل حال فذلك إلى فناء وانقضاء .
وَما عِنْدَ اللَّهِ
من ثوابه وجزائه
خَيْرٌ
من ذلك الزائل الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر
وَأَبْقى
لأنه يدوم أبدا ، وذلك ينقضي بسرعة .
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أن الباقي أفضل من الفاني وما فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر ، المنغصة بعوارض البدن والقلب قيل من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل ، قال الشافعي رحمه اللّه : من وصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف إلى المشتغلين بطاعة اللّه ، وقرىء ؛ يعقلون بالياء . والتاء على الخطاب وهي أرجح لقوله وما أوتيتم .
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يقول اللّه عز وجل يا ابن آدم مرضت فلم تعدني » « 1 » الحديث بطوله .
وأخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد عن عبد بن عبيد بن عمير قال :
يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا ، وأعطش ما كانوا ، وأعرى ما كانوا فمن أطعم للّه عز وجل أطعمه اللّه ومن كسا للّه عز وجل كساه اللّه ، ومن سقى للّه عز وجل سقاه اللّه ومن كان في رضاء اللّه كان اللّه في رضاه .
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً
بالجنة وما فيها ( من النعم ) التي لا تحصى
فَهُوَ لاقِيهِ
أي مدركه ومصيبه لا محالة ، فإن اللّه لا يخلف الميعاد ولذلك جيء بالاسمية المفيدة لتحققه ، وعطف بفاء السببية ، والفاء الأول لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاعها وبين ما عند اللّه عز وجل .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 43 ، وأحمد في المسند 2 / 404 ، بلفظ : « مرضت فلم يعدني ابن آدم » .