أدى الفرائض
فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
أي الناجين بوعد اللّه الفائزين بمطالبهم من سعادة الدارين ، وعسى وإن كانت في الأصل للرجاء فهي من اللّه واجب على ما هو عادة الكرام ، وقيل : إن الترجي هو من قبل التائب المذكور لا من جهة اللّه سبحانه ، أي فليتوقع الفلاح .
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ
أن يخلقه ، وفيه دلالة على خلق الأفعال
وَيَخْتارُ
ما يشاء أن يختار ، لا يسأل عما يفعل ؛ وهم يسألون ؛ وهذا متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم ، أي : الاختيار إلى اللّه .
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ القصص : 68 ] أي التخير ، وهو كالطيرة فإنها التطير ؛ اسمان يستعملان استعمال المصدر وبمعنى المتخير كقولهم : محمد خيرة اللّه من خلقه . وقيل : المراد من الآية أنه ليس لأحد من خلق اللّه أن يختار شيئا اختيارا حقيقيا بحيث يقدم على تنفيذه بدون اختيار اللّه ، بل الاختيار هو إلى اللّه عز وجل ، يختار لطاعته أو لنبوته ، أو المعنى يخلق محمدا ويختار الأنصار لدينه ، وقيل : اختار من النعم ضأنا ، ومن الطير الحمام ، ولا وجه للتخصيص . والعموم أولى .
وظاهر الآية نفي الاختيار عنهم رأسا ، والأمر كذلك ، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار اللّه ، منوط بدواع لا اختيار لهم فيها ، وقيل : إن هذه الآية جواب عن قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] وقيل : جواب عن اليهود حيث قالوا : لو كان الرسول إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلم غير جبريل لآمنا به .
قال الزجاج : الوقف على ( ويختار ) تام على أن ( ما ) نافية قال : ويجوز أن يكون ( ما ) في موضع نصب ب ( يختار ) والمعنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة ، والصحيح الأول لإجماعهم على الوقف ، وقال ابن جرير : إن تقدير الآية ويختار لو لايته الخيرة من خلقه . وهذا في غاية من الضعف ، وجوز ابن عطية أن تكون ( كان ) تامة ويكون ( لهم الخيرة ) جملة مستأنفة . وهذا أيضا بعيدا جدا ، ومن قال معناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح ، فهو مائل إلى الاعتزال ، وقيل : إن ( ما ) مصدرية ، أي يختار اختيارهم ، والمصدر واقع موقع المفعول به ، أي ويختار مختارهم ، وهذا كالتفسير لكلام ابن جرير والراجح أول هذه التفاسير ، ومثله قوله سبحانه :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
[ الأحزاب : 36 ] وقد ثبت عنه صلّى اللّه عليه وسلم في الصحيح تعليم الاستخارة ، وكيفية صلاتها ودعائها ، فلا نطول بذكرها ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال :
سُبْحانَ اللَّهِ
أي تنزه تنزها خاصا به ، من غير أن ينازعه منازع ، أو يشاركه مشارك ، أو يزاحم اختياره
وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
أي عن الذين يجعلونهم شركاء له
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ
أي تخفيه قلوبهم وتسره من الشرك ، أو من