تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
أي : ينفقون أموالهم في الطاعات ، وفيما أمر به الشرع ، ثم مدحهم سبحانه بإعراضهم عن اللغو فقال :

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 55 إلى 58 ]

وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ( 55 ) إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ ( 58 )
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
تكرما وتنزها ؛ وتأدبا بآداب الشرع ومثله قوله سبحان :
وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً
[ الفرقان : 72 ] ، واللغو هنا هو ما يسمعونه من المشركين من الشتم لهم ولدينهم ، والاستهزاء بهم .
وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
لا يلحقنا من ضرر كفركم شيء ولا يلحقكم من نفع إيماننا شيء .
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
ليس المراد بهذا السلام سلام التحية ، ولكن المراد به سلام المتاركة والإعراض والفراق ، ومعناه أمنة لكم منا ، وسلامة ، لا نجاوبكم ولا نجاريكم فيما أنتم فيه ، ولا نقابل لغوكم بمثله . قال الزجاج : وهذا قبل الأمر بالقتال .
لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
أي : لا نطلب صحبتهم ومخالطتهم وقال مقاتل : لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه ، وقال الكلبي : لا نحب دينكم الذي أنتم عليه .
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
هدايته من الناس ، وليس ذلك إليك
وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
هدايته
وَهُوَ أَعْلَمُ
أي عالم
بِالْمُهْتَدِينَ
أي : القابلين للهداية المستعدين لها . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث المسيب ومسلم وغيره من حديث أبي هريرة « أن هذه الآية نزلت في أبي طالب لما امتنع من الإسلام » « 1 » ، وقد تقدم ذلك في براءة قال الزجاج : أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب . وقد تقرر في الأصول أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فيدخل في ذلك أبو طالب دخولا أوليا ، والآية حجة على المعتزلة لأنهم يقولون : الهدى هو البيان ، وقد هدى الناس أجمع ولكنهم لم يهتدوا بسوء اختيارهم فدل أن وراء البيان ما يسمى هداية وهو خلق الاهتداء وإعطاء التوفيق والقدرة .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 28 ، باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 39 .