ثم أمر اللّه سبحانه نبيه أن يقول لهم قولا يظهر به عجزهم فقال :
قُلْ
لهم يا محمد إذا لم تؤمنوا بهذين الكتابين وقلتم فيهما ما قلتم :
فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما
أي : من التوراة والقرآن وأوضح وأبين في هداية الخلق
أَتَّبِعْهُ
جواب الأمر ، وقد جزمه جمهور القراء لذلك . وقرىء بالرفع على الاستئناف . أي : فإن أتيتم به فأنا أتبعه وقال الفراء : إنه على هذه القراءة صفة الكتاب .
وفي هذه الكلام تهكم بهم وفيه أيضا دليل على أن قراءة الكوفيين أقوى من قراءة الجمهور ، لأنه رجع الكلام إلى الكتابين لا إلى الرسولين
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فيما وصفتم به الرسولين أو الكتابين .
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ
أي : لم يفعلوا ما كلفوا به من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين ، وهذا كقوله فإن لم تفعلوا ، وقيل : المعنى فإن لم يستجيبوا لك بالإيمان بما جئت به ، وتعدية يستجيبوا باللام هو أحد الجائزين ، وجواب الشرط
فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ
أي : آراءهم الزائغة ، واستحساناتهم الزائفة ، بلا حجة ولا برهان ، و ( أنما ) أداة حصر أي أنهم ليس لهم مستند في ذلك ، ومتمسك يتمسكون به ، وإنما لهم محض هواهم الفاسد .
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً
الاستفهام إنكاري بمعنى النفي ، أي : لا أحد أضل منه ، بل هو الفرد الكامل في الضلال .
إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
لأنفسهم بالكفر وتكذيب الأنبياء والإعراض عن آيات اللّه .
وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ
قرىء بتشديد الصاد ، وتخفيفها ، ومعنى الآية أتبعنا بعضه بعضا في الإنزال ليتصل التذكير ، أو في النظم لتقرر الدعوة بالحجة ، والمواعظ بالمواعيد ، والصنائح بالعبر ، وبعثنا رسولا بعد رسول ، وقال أبو عبيدة ، والأخفش :
معناه أتممنا . وقال ابن عيينة والسدي : بينا وقال ابن زيد : وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة ، حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا والأول أولى ، وهو مأخوذ من وصل الحبال بعضها ببعض . وقال مجاهد : جعلناه أوصالا ، أي : أنواعا من المعاني