تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ
أي لا ينصرهم أحد ولا يمنعهم مانع من عذاب اللّه .
وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
أي : طردا وإبعادا أو أمرنا العباد بلعنهم فكل من ذكرهم لعنهم ، والأول أولى . وفي أبي السعود أي : لا تزال تلعنهم الملائكة ؛ والمؤمنون خلفا عن سلف .
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ
المبعدين ، والمقبوح : المطرود المبعد وقال أبو عبيدة ، وابن كيسان : معناه من المهلكين المقوتين ، وقال أبو زيد : قبح اللّه فلانا وقبوحا أبعده من كل خير . قال أبو عمرو : قبحت وجهه فالتخفيف بمعنى قبحت بالتشديد ، وقيل : المقبوح : المشوه الخلقة أي فهم من الموسومين بعلامة منكرة كزرقة العيون وسواد الوجوه ، والقبيح أيضا عظيم الساعد ، مما يلي النصف منه ، إلى المرفق والعالم في يوم محذوف ، يفسره ( من المقبوحين ) أي وقبحوا يوم القيامة وهو الأظهر ، أو هو معطوف على موضع ( في هذه الدنيا ) أي : وأتبعناهم لعنة يوم القيامة ، أو معطوف على ( لعنة ) على حذف مضاف أي : ولعنة يوم القيامة ، والوجه الثاني أظهر .
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
أي التوراة
مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى
أي قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وغيرهم . وقيل : من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه ، وخسفنا بقارون . والتعرض لكون إيتاء التوراة بعد إهلاك الأمم الماضية للإشعار بمسيس الحاجة الداعية إليها تمهيدا لما يعقبه من بيان الحاجة الداعية إلى إنزال القرآن على رسول اللّه . فإن إهلاك القرون الأولى من موجبات اندراس معالم الشرائع ، وانطماس آثارها وأحكامها المؤديين إلى اختلال نظام العالم المستدعيين للتشريع الجديد ، بتقرير الأصول الباقية على ممر الدهور ، وترتيب الفروع المتبدلة بتبدل العصور ، وتذكير أحوال الأمم الخالية الموجبة ، كأنه قيل : ولقد آتينا موسى التوراة على حين حاجة إليها . أخرج البزار ، وابن المنذر ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه عن أبي سعيد قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أهلك اللّه قوما ؛ ولا قرنا ، ولا أمة ، ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخت قردة » ، ألم تر إلى قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى
وروي عنه موقوفا .
بَصائِرَ لِلنَّاسِ
أي آتينا الكتاب لأجل أن يتبصر الناس به ، أو حال كونه بصائر لهم يبصرون به الحق ، و ( البصائر ) جمع بصيرة ، وهي نور القلب ، كما أن البصر نور العين
وَهُدىً
يهتدون إليه ، وينقذون أنفسهم به من الضلالة بالاهتداء به
وَرَحْمَةً
من اللّه رحمهم بها
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
هذه النعم ، فيشكرون اللّه ويؤمنون به ؛ ويجيبون داعيه إلى ما فيه خير لهم ويتعظون بما فيه من المواعظ .
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ
هذا شروع في بيان أن إنزال القرآن واقع في بيان