افتريته على اللّه ، أو سحر موصوف بالافتراء كسائر أنواع السحر ، وليس بمعجزة من عند اللّه ، أو سحر لم يفعل قبل هذا الوقت مثله .
وَما سَمِعْنا بِهذا
الذي جئت به من دعوى النبوة أو ما سمعنا بهذا السحر
فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
أي كائنا أو واقعا فيهم .
وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ
يريد نفسه وإنما جاء بهذه العبارة لئلا يصرح لهم بما يريده قبل أن يوضح لهم الحجة ، واللّه أعلم قرىء وقال بالواو وبغيرها ، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة
وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ
بالفوقية وهي أوضح من قراءتها بالتحتية ، على أن اسم يكون عاقبة الدار والتذكير لوقوع الفصل ، ولأنه تأنيث مجازي ، والمراد بالدار هنا الدنيا ، وعاقبتها هي الجنة ، وإنما كانت عاقبة لها لأن الدنيا خلقت مجازا وطريقا إليها ، أو المراد بالدار الدار الآخرة الصادقة على الجنة والنار والإضافة بمعنى في ، والمعنى ومن تكون له العاقبة المحمودة في الدار الآخرة
إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
أي إن الشأن أنهم لا يفوزون بمطلب خير .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 38 إلى 39 ]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 38 ) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ( 39 )
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
تمسك اللعين بمجرد الدعوى الباطلة مغالطة لقومه منه ، وقد كان يعلم أن ربه اللّه عز وجل والظاهر أنه لا يريد بإلهية نفسه كونه خالقا للسموات والأرض وما بينهما ، فإن العلم بامتناع ذلك مما لا يخفى على أحد ، فالشك في ذلك يقتضي زوال العقل بالكلية ، فالمخذول لعنه اللّه كأنه يظن أن الأفلاك والكواكب كافية في اختلاف أحوال هذا العالم السفلي ، فلا حاجة إلى اثبات صانع .
قال القاضي : نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه ، ولذلك أمر ببناء الصرح ، قلت : هو رد على الزمخشري في قوله : إن المقصود بنفي العلم بالإله نفي وجوده ، ويمكن التوجيه بأن يقال : الوجود وجودان ، وجود ذهني ووجود خارجي والمراد في كلامه الأول .
ولا شك أنه إذا انتفى علم الإنسان بشيء انتفى وجوده في ذهنه ، ولكن ربما كان هذا غير مراد للزمخشري ، لأن الظاهر من كلامه الوجود الشائع عند أهل اللغة ، وهو الخارجي . قال سراج الدين : غرض صاحب الكشاف أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة ، ولا شك أنه كذلك فأطلق المسبب وأريد السبب ، لا أن