تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
شدة الحاجة إليه أي وما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي ، وهو المكان الواقع في شق الغرب ، فيكون من باب حذف الموصوف ، وإقامة الصفة مقامه واختاره الزجاج ، وقال الكلبي : بجانب الوادي الغربي ، أي حيث ناجى موسى ربه .
إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ
أي عهدنا إليه وكلمناه ، وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه
وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ
لذلك حتى تقف على حقيقته ، وتحكيه من جهة نفسك وقيل : معنى إذ قضينا إلى موسى الأمر : إذ كلفناه وألزمناه ، وقيل : أخبرناه أن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم خير الأمم . ولا يستلزم نفي كونه بجانب الغربي نفي كونه من الشاهدين لأنه يجوز أن يحضر ولا يشهد قيل : المراد بالشاهدين السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وإذا تقرر أن الوقوف على تفاصيل تلك الأحوال لا يمكن أن يكون بالحضور عندها من نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، والمشاهدة لها منه ، وانتفى بالأدلة الصحيحة أنه لم يتلق ذلك من غيره من البشر ولا علمه معلم منهم كما قدمنا تقريره تبين أنه من عند اللّه سبحانه بوحي منه إلى رسوله بواسطة الملك النازل بذلك ، فهذا الكلام هو على طريقة
وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ
[ آل عمران : 44 ] .

[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ( 45 ) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ( 46 ) وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ( 48 )
وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً
أي خلقنا أمما بين زمانك يا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وزمان موسى
فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
أي طالت عليهم المهلة ، وتمادى عليهم الأمد ، وفترت النبوة ، وكانت الأخبار تخفى ، فتغيرت الشرائع والأحكام ، وتنوسيت الأديان ، واندرست العلوم ووقع التحريف في كثير منها . فتركوا أمر اللّه ونسوا عهده . فاقتضت الحكمة التشريع الجديد فجئنا بك رسولا ، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره ليكون معجزة لك وتذكيرا لقومك ومثله قوله سبحانه
فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ
[ الحديد : 16 ] وقد استدل بهذا الكلام على أن اللّه سبحانه قد عهد إلى موسى عهودا في محمد صلّى اللّه عليه وسلم وفي الإيمان به ، فما طال عليهم العمر ، ومضت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود ، وتركوا الوفاء بها .