تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ
أي مقيما بينهم كما أقام موسى حتى تقرأ على أهل مكة خبرهم ، وتقص عليهم من جهة نفسك يقال : ثوى يثوي ثواء وثويا فهو ثاو ، ومن المعلوم أن واقعة مدين كانت قبل واقعتي الطور ، فمقتضى الترتيب الوقوعي أن تقدم عليهما وإنما وسطت بينهما للتنبيه على أن كلّا منهما برهان مستقبل على أن إخباره صلّى اللّه عليه وسلم عن هذه القصص بطريق الوحي الإلهي ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل دليل واحد على ما ذكر .
تَتْلُوا عَلَيْهِمْ
أي : تقرأ على أهل مدين
آياتِنا
وتتعلم منهم ، وقيل : تذكرهم بالوعد والوعيد ، وقيل : الضمير لأهل مكة ، والمعنى عليه واضح ، وأكثر المفسرين على الوجه الأول والجملة في محل نصب على الحال ، أو خبر ثان ، ويجوز أن تكون هذه الجملة هي الخبر وثاويا حال ، وجعلها الفراء مستأنفة ، كأنه قيل : وها أنت تتلوا على أمتك .
وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
أي : أرسلناك إلى أهل مكة ، وأنزلنا عليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك ما علمتها . قال الزجاج : المعنى أنك لم تشاهد قصص الأنبياء ، ولا تليت عليك ، ولكننا أوحيناها إليك وقصصناها عليك .
وَما كُنْتَ
يا محمد
بِجانِبِ الطُّورِ
أي : بجانب الجبل المسمى بالطور
إِذْ نادَيْنا
موسى لما أتى إلى الميقات مع السبعين أن خذ الكتاب بقوة وبين الإرسال وإيتاء التوراة نحو ثلاثين سنة ، وقيل : المنادى هو أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، قال وهب : وذلك أن موسى لما ذكر اللّه له فضل محمد صلّى اللّه عليه وسلم وأمته ؛ قال : يا رب أرنيهم ، فقال اللّه : إنك لمن تدركهم ، وإن شئت ناديتهم فأسمعتك صوتهم ، قال : بلى يا رب أرنيهم فقال يا أمة محمد ، فأجابوا من أصلاب آبائهم ؛ فيكون معنى الآية على هذا : ما كنت يا محمد بجانب الطور إذ كلمنا موسى فنادينا أمتك ، وسيأتي ما يدل على هذا ويقويه ويرجحه . وعن أبي هريرة في الآية قال : نودوا : يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني ، وروي من وجه آخر عنه مرفوعا . وأخرج ابن مردويه ، وأبو نعيم في الدلائل ، وأبو نصر السجزي في الإبانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال : سألت النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن قوله :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا
، ما كان النداء ؟ وما كانت الرحمة ؟ قال : « كتبه اللّه قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ، ثم وضعه على عرشه ، ثم نادى : يا أمة محمد سبقت رحمتي على غضبي أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبدي ورسولي صادقا أدخلته الجنة » . وأخرج ابن مردويه ، وأبو نعيم عن حذيفة في الآية قال : « نودوا يا أمة محمد ؛ ما دعوتمونا إذ استجبنا لكم ، ولا سألتمونا إذ أعطيناكم » .