تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا : « إن اللّه نادى يا أمة محمد أجيبوا ربكم ، قال : فأجابوا ، وهم في أصلاب آبائهم ، وأرحام أمهاتهم ؛ إلى يوم القيامة . فقالوا : لبيك أنت ربنا حقا ، ونحن عبيدك حقا ، قال : صدقتم أنا ربكم وأنتم عبيدي حقا ، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، فمن لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة » .
وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
أي : ولكن فعلنا ذلك رحمة منا لكم ، وقيل : ولكن أرسلنا بالقرآن رحمة لكم ، وقيل : علمناك وقيل : عرفناك قال الأخفش : ولكن رحمناك رحمة ، وقال الزجاج : أي فعلنا ذلك بك لأجل الرحمة . وقال الكسائي : ولكن كان رحمة ، وقرىء رحمة بالرفع أي ولكن أنت رحمة .
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
والقوم هم أهل مكة ، فإنه لم يأتهم نذير ينذرهم قبله صلّى اللّه عليه وسلم في زمان الفترة ، بينه وبين عيسى وهو خمسمائة وخمسون سنة أو بينه وبين إسماعيل بناء على أن دعوة موسى وعيسى كانت مختصة ببني إسرائيل
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
أي : يتعظون بإنذارك .
وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
( لولا ) هذه هي الامتناعية وأن وما في خيرها في موضع رفع بالابتداء ، أي ولولا إصابة المصيبة لهم ، وجوابها محذوف ، قال الزجاج : تقديره ما أرسلنا إليهم رسلا ، يعني أن الحامل على إرسال الرسل إليهم هو إزاحة عللهم ، فهو كقوله سبحانه :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] وقدره ابن عطية لعاجلناهم بالعقوبة ووافقه على هذا التقدير الواحدي ، فقال : والمعنى لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم ، قال السمين ولا معنى لهذا
فَيَقُولُوا
الفاء للسببية
رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا
( لولا ) هذه هي التحضيضية ، أي : هلا أرسلت رسولا من عندك وجوابها قوله :
فَنَتَّبِعَ آياتِكَ
فلذلك نصب بإضمار أن . أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « الهالك في الفترة يقول : رب لم يأتني كتاب ولا رسول ثم قرأ هذه الآية والمراد بالآيات : الآيات التنزيلية الظاهرة الواضحة . وإنما عطف القول على ( تصيبهم ) لكونه هو السبب للإرسال ، ولكن العقوبة لما كانت هي السبب للقول ، وكان وجوده بوجودهما ، جعلت العقوبة كأنها هي السبب للإرسال بواسطة القول ، قاله في الكشاف ، وأطال سليمان الجمل في بيان ذلك وذكر عبارة السمين ، والشهاب ، وغيرهما . وقال أبو السعود : لولا قولهم هذا عند إصابة العقوبة لهم ، بسبب جناياتهم ، ما أرسلناك ، ولكن لما كان قولهم ذلك محققا لا محيد عنه ، أرسلناك قطعا لمعاذيرهم
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 193 | صديق الحسيني القنوجي البخاري