تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
بينهما ملازمة كلية على أنه لما كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد ، جاز أن يطلق ويراد به الوجود ، إذ لا يشترط عند علماء هذا الفن اللزوم العقلي ، بل العادي والعرفي كاف أيضا . وقد يقول أحد منا : لا أعلم ذلك ، أي : لو كان موجودا لعلمته إذا قامت قرينة ، وهذا استعمال شائع في عرف العرب والعجم ، عند العامة والخاصة ، كيف ! وكان المخذول يدعي الإلهية ! فالظاهر أنه من الكناية لا من المجاز والمصنف إنما ذكر معلومية انتفاء العلم لانتفاء الوجود ليبين أن انتفاء العلم من روادف انتفاء الوجود انتهى . قال الشوكاني : وهو الذي خطر ببالي أنه الجواب ، لكنه عارض ذلك الخاطر إشكالات لا يتسع لها المقام انتهى . وقد أشار أبو السعود في تفسيره إلى الجواب عن هذا الإشكال فقال : وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها ، فيلزم من انتفائها انتفاء معلوماتها ، ولا كذلك العلوم الانفعالية انتهى . وقد وافق على هذا القاضي ، ولاح لك عن هذا جوابان « 1 » : الأول : أنه ذكر نفي العلم ، وأراد نفي المعلوم بطريق الكناية على الوجه الذي ذكره السراج . الثاني : تخصيص العلم بالفعلي لا الانفعالي ، كما ذكره أبو السعود والبيضاوي . والثالث : أن يراد بالوجود الوجود في ذهن المتكلم بتلك الكلمة ، وفي كل جواب من هذه الأجوبة كلام لا يلتبس على العالم بالفن قال الخفاجي وعلى كل حال فكلام القاضي لا يخلو عن ضعف ، والذي غره فيه كلام صاحب الانتصاف انتهى . قال ابن عباس : لما قال فرعون هذا القول قال جبريل : يا رب طغى عبدك فأذن لي في هلكه ، فقال : يا جبريل بل هو عبدي ولن يسبقني ، له أجل يجيء ذلك الأجل ، فلما قال : أنا ربكم الأعلى ! قال اللّه : يا جبريل سبقت دعوتك في عبدي ، وقد جاء أوان هلاكه . وأخرج ابن مردويه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « كلمتان قالهما فرعون
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
، وقوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
[ النازعات : 24 ] قال : كان بينهما أربعون عاما فأخذه اللّه نكال الآخرة والأولى » . ثم رجع إلى تكبره وتجبره وإيهام قومه بكمال اقتداره فقال :
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ
أي اطبخ لي الطين حتى يصير آجرا أي بعد
هامش
( 1 ) أورد المصنف هنا ثلاث إجابات كما سترى .