وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
أي : وهي تسير سيرا حثيثا كسير السحاب التي تسيرها الرياح ، وذلك أن كل شيء عظيم ، وكل جسم كبير ، وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمه ، وبعدما بيّن أطرافه ، فهو في حساب الناظر واقف وهو سائر ، كذلك سير الجبال يوم القيامة لا يرى لعظمها ، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه .
وقال القتيبي : وذلك أن الجبال تجمع وتسير ، وهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير . قال النسفي : وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت أي : في سمت واحد ، لا تكاد تبين حركتها ، ونحوه قال البيضاوي .
قال القشيري : وهذا يوم القيامة ، ومثله قوله تعالى :
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً
[ النبأ : 20 ] . وقال أبو السعود : هذا مما يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق ، يبدل اللّه الأرض غير الأرض ، ويغير هيئتها ، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئة الهائلة ، ليشاهدها أهل المحشر ، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسيرها إنما يكون بعد النفخة الثانية ، كما نطق به قوله :
فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً
[ طه : 105 ] الخ وقوله :
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ
[ إبراهيم : 48 ] .
وقد قيل : إن المراد بالنفخة هي النفخة الأولى ، والفزع هو الذي يستتبع الموت ، فيختص أثرها بمن كان حيا عند وقوعها دون من مات قبل ذلك من الأمم ، والمراد بالإتيان داخرين رجوعهم إلى أمره تعالى ، وانقيادهم له ، ولا ريب في أن ذلك مما ينبغي أن تنزه ساحة التنزيل عن أمثاله وأبعد من هذا ما قيل : إن المراد بهذه النفخة نفخة الفزع التي تكون قبل نفخة الصعق فإنه مما لا ارتباط له بالمقام قطعا ، والحق الذي لا محيد عنه ما قدمناه ، ومما هو نص في الباب ، ما سيأتي من قوله تعالى :
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
.
صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
أي صنع اللّه ذلك صنعا ، وهو مصدر مؤكد لقوله :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ
، وقيل : انظروا صنع اللّه الذي أحكم ، يقال : رجل تقن بكسر التاء أي حاذق بالأشياء ، والإتقان الإتيان بالشيء على أكمل حالاته ، وهو مأخوذ من قولهم تقن أرضه إذا ساق إليها الماء الخاثر بالطين لتصلح للزراعة ، وأرض تقنة والتقن فعل ذلك بها ، والتقن أيضا ما رمي به في الغدير من ذلك ، أو الأرض ، ذكره السمين قال ابن عباس : أتقن أي أحسن كل شيء صنعه وخلقه وأوثقه .
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
تعليل لما قبله من كونه سبحانه صنع ما صنع وأتقن كل شيء ، والخبير المطلع على الظواهر والضمائر ، قرىء بالفوقية على الخطاب ، وبالتحتية على الخبر ، قال المحلي : أي ما يفعلون أعداؤه من المعصية وأولياؤه من الطاعة .
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
أي من جاء بجنس الحسنة يوم القيامة
فَلَهُ
من الجزاء