تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
فهذا الجزاء لا يكون إلا لمثل سيئة الشرك ، والمعنى أنهم كبوا فيها على وجوههم ، وألقوا فيها وطرحوا عليها ، يقال : كببت الرجل إذا ألقيته لوجهه ، فانكب ، راكب ، وذكرت الوجوه لأنها موضع الشرف من الحواس فغيرها أولى .
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
بتقدير القول ، أي يقال لهم ذلك وقت كبهم ، أو مقولا لهم ذلك ، وهذا أوضح والقائل لهم خزنة جهنم ، أي ما تجزون إلا جزاء عملكم في الدنيا من الشرك والمعاصي ؟
إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ
لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد ، أمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم هذه المقالة تنبيها لهم على أنه قد تم أمر الدعوة . بما لا يزيد عليه . ولم يبق له بعد ذلك شأن سوى الاشتغال بعبادة اللّه ، والاستغراق في مراقبته ، غير مبال بهم ضلوا أو رشدوا أصلحوا أو أفسدوا ، ليحملهم ذلك على أن يهتموا بأمر أنفسهم ، ويشتغلوا بالتدبر فيما شاهدوه من الآيات الباهرة . والمعنى قل يا محمد : إنما أمرت أن أخصص اللّه بالعبادة وحده لا شريك له ، والمراد بالبلدة مكة ، قاله ابن عباس ، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون بيت اللّه الحرام فيها ، ولكونها أحب البلاد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
الَّذِي
الموصول صفة للرب ، وهكذا قرأ الجمهور ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود ( التي ) على أن الموصول صفة للبلدة ، والسياق إنما هو للرب لا للبلدة ، فلذلك كانت قراءة العامة واضحة ، ومعنى
حَرَّمَها
جعلها حرما آمنا لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يعضد شوكها ، ولا يصاد صيدها ، ولا يختلى خلالها ؛ وتخصيص مكة بهذه الإضافة تشريف لها ؛ وتعظيم لشأنها فلا ينافي قوله
وَلَهُ
أي للرب
كُلُّ شَيْءٍ
من الأشياء خلقا وملكا وتصرفا .
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
أي : المنقادين لأمر اللّه المستسلمين له بالطاعة وامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والمراد بقوله : ( أن أكون ) أثبت على ما أنا عليه .
وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ
أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك لتنكشف لي حقائقه الرائقة ، المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا . قيل : ليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان ، والأول أولى . قرأ الجمهور
( أَنْ أَتْلُوَا )
بإثبات الواو من التلاوة ، وهي القراءة . أو من التلو وهو الاتباع ، كقوله :
اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
[ الأنعام : 106 ] ، وقرىء ( أن أتل ) بحذف الواو أمرا له صلّى اللّه عليه وسلم كذا وجهه الفراء ، قال النحاس : ولا تعرف هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف ، ولقد قام صلّى اللّه عليه وسلم بكل ما أمر به أتم قيام على ما أمر به .
فَمَنِ اهْتَدى
أي : على العموم ، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه ، فعمل بما فيه من