تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً
العامل في الظرف فعل محذوف خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم والحشر الجمع قيل : والمراد بهذا الحشر هو حشر العذاب الخاص بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق ، و ( من ) لابتداء الغاية ، والفوج الجماعة كالزمرة والقوم ، وقيدهم الراغب فقال : الفوج الجماعة المارة المسرعة ، وكان هذا هو الأصل ، ثم أطلق ، وإن لم يكن مرور ولا إسراع ، والجمع أفواج وفوج .
مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا
من بيانية
فَهُمْ يُوزَعُونَ
أي يحبس أولهم على آخرهم لأجل تلاحقهم ، وقيل : معناه يدفعون ، وقد تقدم تحقيقه في هذه السورة مستوفى ، ومعنى الآية واذكر يا محمد يوم نجمع من كل أمة من الأمم جماعة مكذبين بآياتنا فهم عند ذلك الحشر يرد أولهم على آخرهم ، أو يدفعون أي اذكر لهم هذا وبينه تحذيرا لهم وترهيبا
حَتَّى إِذا جاؤُ
إلى موقف الحساب .
قالَ
اللّه لهم توبيخا وتقريعا :
أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي
التي أنزلتها على رسلي وأمرتهم بإبلاغها إليكم
جاؤُ
الحال أنكم
لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً
بل كذبتم بها بادىء بدىء جاهلين لها غير ناظرين فيها ، ولا مستدلين على صحتها ، أو بطلانها ، تمردا وعنادا وجرأة على اللّه وعلى رسله ، وفي هذا مزيد تقريع وتوبيخ لأن من كذب بشيء ولم يحط به علما ، فقد كذب في تكذيبه ونادى على نفسه بالجهل وعدم الانصاف وسوء الفهم ، وقصور الإدراك . ومن هذا القبيل من تصدى لذم علم من علوم الشريعة ، أو لذم علم هو مقدمة من مقدماتها ووسيلة يتوسل بها إليها ، وتفيد زيادة بصيرة في معرفتها ، وتعقل معانيها ، كعلوم اللغة العربية بأسرها ، وهي اثنا عشر علما ، وعلم أصول الفقه فإنه يتوصل به إلى استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية مع اشتماله على بيان قواعد اللغة الكلية . وهكذا كل علم من العلوم التي لها مزيد نفع في فهم كتاب اللّه وسنة رسوله ، فإنه قد نادى على نفسه بأنه جاهل ، مجادل بالباطل ، طاعن على العلوم الشرعية ، مستحق لأن تنزل به قارعة من قوارع العقوبة التي تزجره عن جهله وضلاله ، وطعنه على ما لا يعرفه ، ولا يعلم به ولا يحيط بكنهه ، حتى يصير عبرة لغيره ، وموعظة يتعظ بها أمثاله من ضعفاء العقول وركاك الأديان ورعاع المتلبسين بالعلم زورا وكذبا .
أَمَّا ذا
أم ، هي المنقطعة بمعنى : بل ، والمعنى أي شيء
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
حتى شغلكم ذلك عن النظر فيها والتفكر في معانيها ، وهذا الاستفهام على طريق التبكيت لهم .