تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ويجعل شريكا له في العبادة ، وقرىء إلها أي : أتدعون إلها مع اللّه ؟ والاستفهام للإنكار أي ليس معه إله ، وكذا يقال في المواضع الأربعة الآتية ، ثم أضرب عن توبيخهم وتقريعهم بما تقدم ، وانتقل إلى بيان سوء حالهم مع الالتفات من الخطاب إلى الغيبة فقال :
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
باللّه غيره ، أو يعدلون عن الحق إلى الباطل ، و ( بل هم ) بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم ثم شرع في الاستدلال بأحوال الأرض وما عليها فقال :

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 )
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
القرار هو المستقر أي دحاها وسواها وجعلها بحيث يمكن الاستقرار عليها للإنسان والدواب بإخلاء بعضها من الماء حسبما تدور عليه منافعهم ، وقيل : هذه الجملة وما بعدها من الجمل الثلاث بدل من قوله :
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ النمل : 60 ] ولا ملجىء لذلك ، بل هي وما بعدها إضراب ، وانتقال من التقريع والتوبيخ بما قبلها إلى التوبيخ والتقريع بشيء آخر .
وَجَعَلَ
أي خلق أو صير
خِلالَها
أي فيما بينها
أَنْهاراً
تطرد بالمياه ، والخلال الوسط ، وقد تقدم تحقيقه في قوله :
وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً
[ الكهف : 33 ] .
وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ
أي جبالا ثوابت تمسكها وتمنعها من الحركة
وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
هما العذب والمالح ، أي جعل بينهما من قدرته
حاجِزاً
أي مانعا معنويا ، وهو المنع الإلهي ، إذ ليس هناك حاجز حسي كما هو مشاهد فلا يختلط أحدهما بالآخر ، فلا هذا يغير ذاك ، ولا ذاك يدخل في هذا وقد مرّ بيانه في سورة الفرقان .
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أي : إذا ثبت أنه لا يقدر على ذلك إلا اللّه فهل إله في الوجود يصنع صنعه ، ويخلق خلقه فكيف يشركون به ما لا يضر ولا ينفع .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
توحيد ربهم وسلطان قدرته .
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ
هذا الاستدلال منه سبحانه بحاجة الإنسان إليه على العموم والمضطر اسم مفعول من الاضطرار ، وهو افتعال من الضرورة ، وهي الحاجة المحوجة إلى اللجأ ، يقال : اضطره إلى كذا ، والمضطر هو المكروب