خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
به من الأصنام وفيه تبكيت للمشركين : وإلزام الحجة عليهم بعد هلاك الكفار و ( أم ) هذه متصلة عاطفة لاستكمال شروطها ، والتقدير أيهما خير ، وهذه الخيرية ليست بمعناها الأصلي ، بل هي كقول الشاعر :
أتهجوه ولست له بكفء ؟ * فشركما لخير كما الفداء « 1 »
فيكون ما في الآية من باب التهكم بهم ، إذ لا خير فيهم أصلا ، وقد حكى سيبويه إن العرب تقول : السعادة أحب إليك أم الشقاوة ولا خير في الشقاوة أصلا ، وقيل : المعنى أثواب اللّه خير ؟ أم عقاب ما تشركون به ؟ وقيل : قال لهم ذلك جريا على اعتقادهم ، لأنهم كانوا يعتقدون أن في عبادة الأصنام خيرا . وقيل : المراد من هذا الاستفهام الخبر ، وقرأ الجمهور تشركون بالفوقية على الخطاب وقرىء بالتحتية .
أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أم هذه هي المنقطعة ، وقال أبو حاتم : تقديره أآلهتكم خير ؟ أم من خلق السماوات والأرض ؟ وقدر على خلقهن ، وقيل : المعنى أعبادة ما تعبدون من أوثانكم خير ؟ أم عبادة من خلق العالم الجسماني ؟ فيكون ( أم ) على هذا متصلة ، وفيها معنى التوبيخ والتهكم ، كما في الجملة الأولى .
وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً
أي نوعا من الماء وهو المطر
فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ
جمع حديقة ، قال الفراء : الحديقة البستان الذي عليه حائط ، فإن لم يكن عليه حائط فهو البستان ، وليس بحديقة . وقال قتادة وعكرمة : الحدائق النخل .
ذاتَ بَهْجَةٍ
أي ذات منظر حسن ، ورونق ، والبهجة هي الحسن الذي يبتهج به من رآه ولم يقل ذوات بهجة على الجمع ، لأن المعنى جماعة حدائق ، وصرف الكلام عن الغيبة إلى التكلم تأكيدا لمعنى اختصاص الفعل بذاته ، وإيذانا بأن إنبات الحدائق المختلفة الأصناف والألوان والطعوم والأشكال ، مع سقيها بماء واحد لا يقدر عليه إلا هو وحده ، ثم رشح معنى الاختصاص بقوله :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
فضلا عن ثمارها وسائر صفاتها البديعة ، ومعنى هذا النفي الحظر والمنع من فعل هذا أي ما يصح للبشر ، ولا يتهيأ لهم ذلك ، ولا يدخل تحت مقدورهم ، لعجزهم عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود ، وأن تأتي ذلك محال من غيره ، ثم قال سبحانه موبخا لهم ومقرعا :
أَ إِلهٌ
أي : هل معبود
مَعَ اللَّهِ
الذي تقدم ذكر بعض أفعاله حتى يقرن به ،
هامش
( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لحسان بن ثابت في ديوانه ص 76 ، وخزانة الأدب 9 / 232 ، 236 ، 237 ، وشرح الأشموني 3 / 388 ، ولسان العرب ( ندد ) ، ( عرش ) ، ويروى : « ولست له بندّ » بدل « ولست له بكفء » .