وقيل : لا يعلم غيب من فيهما ، ولا يعلم الأشياء التي تحدث فيهما إلا اللّه ، وقيل : هو استثناء متصل من ( من ) والأول أولى ، لأن الاتصال يقتضي أن اللّه من جملة من فيهما .
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عائشة قالت : « ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على اللّه الفرية ، وقالت في آخره : ومن زعم أنه يخبر الناس بما يكون في غد فقد أعظم على اللّه الفرية ، واللّه تعالى يقول : قل :
لا يَعْلَمُ
« الآية » « 1 » .
وَما يَشْعُرُونَ
أي الكفار
أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
أي متى ينشرون من القبور ، وأيان مركبة من أي وأن ، وقد تقدم تحقيقه ، وقرىء إيان بكسر الهمزة ، وهي لغة بني سليم .
بَلِ ادَّارَكَ
أصله تدارك ، وقرىء أدرك من الإدراك ، وقرىء بل أدرك بفتح لام بل ، وتشديد الدال ، وأدرك على الاستفهام ، وقرىء بل تدارك ، بإثبات التاء ، ومعنى الآية بل تكامل .
عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
لأنهم رأوا كل ما وعدوا به وعاينوه ، وقيل : معناه تتابع وتلاحق ، والقراءة الثانية معناها كمل علمهم في الآخرة مع المعاينة ، وذلك حين لا ينفعهم العلم لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين ، وقال الزجاج : إنه على معنى الإنكار .
واستدل على ذلك بقوله : فيما بعد :
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
، أي لم يدرك علمهم علم الآخرة : وقيل : المعنى بل ضل وغاب علمهم في الآخرة فليس لهم فيها علم .
ومعنى الثالثة كالأولى ، فافتعل وتفاعل ، قد يجيئان لمعنى . والرابعة هي بمعنى الإنكار . قال الفراء : وهو وجه حسن كأنه وجهه إلى المكذبين على طريق الاستهزاء بهم ، وفي الآية قراءات أخر لا ينبغي الاشتغال بذكرها وتوجيهها .
وعن ابن عباس قال : بل إدراك علمهم في الآخرة حين لا ينفع الندم وعنه قال :
لم يدرك علمهم ، وعنه : أنه قرأها بالاستفهام ، وعنه قال : غاب علمهم .
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها
أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشر منه فقال :
بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ
فلا يدركون شيئا من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك و ( عمون ) جمع عم ، وهو من كان أعمى القلب ، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال : إن معنى الآية الأولى أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة ، فلا بدّ من حمل قوله :
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
الخ على ما كانوا عليه في الدنيا ، ومن قال : إن معنى الآية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الإيمان حديث 287 ، والترمذي في تفسير سورة 6 ، باب 5 ، وسورة 53 ، باب 3 .