إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
أي يوم القيامة ، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا ، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة .
عن عائشة قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور ، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود ، حية عند رأسه وحية عند رجليه ، تقرضانه حتى تلتقيا في وسطه ، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال اللّه
وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
.
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ
قيل هذه هي النفخة الأولى ، قاله ابن عباس . وقيل الثانية قاله ابن مسعود وهذا أولى . وهي النفخة التي بين البعث والنشور . وقيل المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها ، على أن الصور جمع صورة لا القرن وقد قرىء بها وبضم الصاد وسكون الواو ، والقرن الذي ينفخ فيه
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ
يتفاخرون بها أو تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف ، أي لا يذكرونها لما هم فيه من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة ، وهو جمع نسب وهو القرابة .
وَلا يَتَساءَلُونَ
أي لا يسأل بعضهم بعضا عنها ، فإن لهم إذ ذاك شغلا شاغلا .
ومنه قوله :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
[ عبس : 34 - 36 ] وقوله :
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً
[ المعارج : 10 ] ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
[ الصافات : 27 ] فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة فالإثبات باعتبار بعضها والنفي باعتبار بعض آخر ، كما قررناه في نظائر هذا ، مما أثبت تارة ونفي أخرى .
وعن ابن عباس في الآية قال : حين ينفخ في الصور فلا يبقى حي إلا اللّه . وعنه أنه سئل عن هذه الآية . وقوله :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
[ الصافات :
27 ] قال : إنها مواقف ، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون فعند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا ، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون وعنه أنه سئل عن الآيتين فقال : هذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء ، وذاك لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ابن مسعود قال : إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الأولين والآخرين . وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين ، ثم يناد مناد ألا إن هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه .
وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال ؛ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري » « 1 » .
وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم والضياء في المختارة عن عمر بن
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 323 ، 332 .