تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
وقيل إنهم لما استغاثوا باللّه قال قائلهم : رب ؛ ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال : ارجعون
لَعَلِّي أَعْمَلُ
عملا
صالِحاً
في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير . أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار ، قال :
رَبِّ ارْجِعُونِ
أتوب وأعمل صالحا ، فيقال له قد عمّرت ما كنت معمّرا ، فيضيق عليه قبره ، فهو فالمنهوش ينازع ويفزع ، تهوي إليه حيات الأرض وعقاربها . وعن ابن جريج قال : زعموا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعائشة : « إن المؤمن إذا عاين الملائكة ، قالوا : نرجعك إلى الدنيا ؟ فيقول : إلى دار الهموم والأحزان ؟ بل قدما إلى اللّه ، وأما الكافر فيقولون له : نرجعك ؟ فيقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحا ، وهو مرسل . وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه ، فعند ذلك يقول
رَبِّ ارْجِعُونِ
الآية . وعن ابن عباس في قوله :
أَعْمَلُ صالِحاً
قال : أقول لا إله إلا اللّه
فِيما تَرَكْتُ
أي في الموضع الذي ضيعت أو منعت ، وقيل خلفت من التركة وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى . قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات ، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة اللّه ، فرحم اللّه امرءا عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب . ولما تمنى أن يرجع ليعمل ، رد اللّه عليه ذلك بقوله :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها
فجاء بكلمة الردع والزجر ، والضمير في
إِنَّها
يرجع إلى قوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ
أي أن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه ، وليس الأمر كما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا ؛ أو المعنى أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء كما في قوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] وقيل إن الضمير في
هُوَ
يرجع إلى اللّه ، أي لا خلف في خبره ، وقد أخبرنا بأنه يؤخر نفسا إذا جاء أجلها .
وَمِنْ وَرائِهِمْ
أي من أمامهم وبين أيديهم ، والضمير للأحد والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم ، كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ
بَرْزَخٌ
هو الحاجز بين الشيئين . قاله الجوهري ، واختلف في معنى الآية فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد : حاجز بين الموت والبعث . وقال الكلبي : هو الأجل بين النفختين وبينهما أربعون سنة . وقال السدي : هو الأجل ، وقيل : بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا .