وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة معروفة
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
في الدنيا ، يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها ، ويقال لهم ذلك توبيخا وتقريعا
فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
وتزعمون أنها ليست من اللّه تعالى .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 106 إلى 111 ]
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ ( 106 ) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ ( 107 ) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ ( 108 ) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 109 ) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ( 110 )
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ ( 111 )
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
مستأنفة والمعنى غلبت علينا لذاتنا وشهواتنا فسمي ذلك شقوة لأنه يؤول إلى الشقاء وقرىء شقاوتنا ، وبها قرأ ابن مسعود والحسن ، وهما مصدران بمعنى سوء العاقبة ، والشقاء ضد السعادة والشدة والعسر
وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
بسبب ذلك عن الهدى ، فإنهم ضلوا عن الحق والصواب بتلك الشقوة ،
ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا :
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها
أين من النار
فَإِنْ عُدْنا
إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب وعدم الإيمان
فَإِنَّا ظالِمُونَ
لأنفسنا بالعود إلى ذلك .
قالَ
تعالى لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين . قيل هو سبعة آلاف سنة بعدد الكواكب السيارة ، وقيل اثنا عشرة ألف سنة بعدد البروج ، وقيل ثلاثمائة ألف سنة وستون بعدد أيام السنة . ذكره القرطبي في التذكرة ، والتحقيق فيه ما ذكرناه في لقطة العجلان
اخْسَؤُا فِيها
أي اسكتوا في جهنم سكوت هوان قال المبرد :
الخسء إبعاد بمكروه ، وقال الزجاج : تباعدوا تباعد سخط ، وأبعدوا بعد الكلب ، فالمعنى أبعدوا في جهنم ، كما يقال للكب اخسأ ، أي ابعد ، وخسأت الكلب طردته .
وَلا تُكَلِّمُونِ
في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا ، أو في رفع العذاب عنكم . وقيل المعنى لا تكلمون رأسا قال الحسن : هو آخر كلام يتكلم به أهل النار وما بعد ذلك إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء الكلاب ،
ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّهُ
تعليل لما قبلها من الزجر عن دعائهم بالخروج منها
كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي
وهم المؤمنون ، وقيل الصحابة المهاجرون ومنهم بلال وصهيب وعمار وخباب .
يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ
ومحط التعليل
قوله :
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا
بكسر السين وبضمها سبعيتان وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزء ، والضم من جهة السخرية قال النحاس : ولا يعرف هذا الفرق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء .