تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 544

مساهمون:

ص٥٤٤
وحكي عن الكسائي أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول ، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل .
حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي
أي اتخذتموه سخريا إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر اللّه لشدة اشتغالهم بالاستهزاء
وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ
في الدنيا ، والمعنى حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك ، فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا
مستأنفة لتقرير ما سبق لبيان حسن حالهم ، والباء للسببية .
أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ
بفتح الهمزة مفعول ثان لجزيتهم وقرىء بكسرها على الاستئناف . والمعنى جزيتهم بصبرهم الفوز بالجنة . قال اللّه عز وجل تذكيرا لهم بأن ما ظنوه طويلا دائما فهو قليل بالإضافة إلى ما أنكروه ، وقرىء قل على صيغة الأمر ، والمعنى قل يا محمد للكفار ، أو يكون أمرا للملك بسؤالهم ، أو التقدير قولوا ، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد ، والمراد الجماعة .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 112 إلى 118 ]

قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ( 112 ) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ ( 113 ) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 114 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ( 116 ) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ( 117 ) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ( 118 )
كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ
التي طلبتم الرجوع إليها ، والغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلا ، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوا في الحياة الدنيا وفي القبور . وقيل هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله :
فِي الْأَرْضِ
ولم يقل على الأرض ، ورد بمثل قوله تعالى :
وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ
[ الأعراف : 56 ]
عَدَدَ سِنِينَ
أي لبثتم كم عددا من السنين - بفتح النون على أنها نون الجمع - ومن العرب من يخفضها وينونها .
قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
استقصروا مدة لبثهم وشكوا في ذلك لعظم ما هم فيه من العذاب الشديد . وقيل إن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم ، وقيل أنساهم اللّه ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة الثانية ، ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا :
فَسْئَلِ الْعادِّينَ
جمع عادّ من العدد ، أي المتمكنين من معرفة العدد ، وهم