الصفح والإعراض عما يفعله الكفار من الخصلة السيئة وهي الشرك ، قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف وقيل هي في حق هذه الأمة فيما بينهم منسوخة في حق الكفار .
قال مجاهد : أي أعرض عن أذاهم إياك ، وقال عطاء : ادفع بالسلام وعن أنس قال : هو قول الرجل لأخيه ما ليس فيه فيقول : إن كنت كاذبا فأنا أسأل اللّه أن يغفر لك وإن كنت صادقا فأنا أسأل اللّه أن يغفر لي .
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ
إياك به مما أنت على خلافه أو بما يصفون من الشرك والتكذيب وفي هذا وعيد لهم بالعقوبة ،
ثم علمه سبحانه ما يقويه على ما أرشده إليه من العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة فقال :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ
أي أعتصم
مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ
جمع همزة وهي في اللغة الدفعة باليد أو بغيرها ؛ يقال همزة ولمزة ونخسة أي دفعة ، وقيل الهمز كلام من وراء القفا ، واللمز المواجهة ، والمراد بها هنا خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان ووساوسه ، وقيل نفخهم ونفثهم ، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس ، أو لتعدد المضاف إليه ، وفي الآية إرشاد لهذه الأمة إلى التعوذ من الشيطان ، ومن همزات الشياطين ؛ وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 98 إلى 105 ]
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 ) حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ( 99 ) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ( 100 ) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ( 101 ) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 102 )
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 105 )
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
أمره اللّه سبحانه أن يتعوذ باللّه من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوذ من همزاتهم ؛ وأعيد كل من العالم والنداء مبالغة ولزيادة اعتناء بهذه الاستعاذة ، والمعنى وأعوذ بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن عمل إلا الوسوسة ، والإغراء على الشر ، والصرف عن الخير ، وفي قراءة أبيّ « وقل رب عائذا بك » .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع : « بسم اللّه أعوذ بكلمات اللّه التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون » قال : فكان ابن عمرو يعلمها من بلغ من أولاده أن يقولها عند نومه ، ومن كان منهم صغيرا - لا يغفل أن يحفظها كتبها له ، فعلقها