تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 537

مساهمون:

ص٥٣٧
ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال :
إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
وفي الكلام حذف أي لو كان مع اللّه آلهة أخرى لانفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخر ، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب .
وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
أي ولغلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم ، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها ، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك وإنه لا يقوم به إلا واحد ؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو اللّه سبحانه ، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه ، ثم نزّه سبحانه نفسه فقال :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
من الشريك والولد ، وإثبات ذلك للّه عز وجل
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي هو مختص بعلم ما غاب وما شوهد ، وأما غيره سبحانه فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب ، وهذا دليل آخر على الوحدانية بواسطة مقدمة أخرى كأنه قيل اللّه علمهما وغيره لا يعلمهما فغيره ليس بإله وهذا من قبيل الشكل الثاني ، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو اللّه ، وقرىء بالجر على أنه صفة للّه عز وجل أو بدل منه ، وروي عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ .
فَتَعالى
اللّه
عَمَّا يُشْرِكُونَ
عطف على معنى ما تقدم ؛ كأنه قال : علم الغيب فتعالى ، أو أقول : فتعالى ، والمعنى أنه سبحانه متعال متعال عن أن يكون له شريك في الملك .
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ
أي إن كان ولا بد أن تريني العذاب المستأصل لهم
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
قال الزجاج : أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب ، فاجعلني خارجا عنهم يعني إن النداء معترض ، وذكر الرب مرتين قبل الشرط وبعده مبالغة في التضرع والابتهال ، وأمره اللّه أن يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون معهم أبدا تعليما له صلّى اللّه عليه وسلّم من ربه كيف يتواضع ويهضم نفسه أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
[ الأنفال : 25 ] ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ويسخرون من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا ذكر لهم ذلك أكد سبحانه وقوعه بقوله :
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ
يعني أن اللّه سبحانه قادر على أن يري رسوله عذابهم ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن أو لكون اللّه سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم ، وقيل قد أراه اللّه سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة ثم أمره سبحانه بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب فقال :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ
أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي