تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
أخرج النسائي والطبراني والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن عباس قال : جاء أبو سفيان إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « يا محمد أنشدك اللّه والرحم فقد أكلنا العلهز » يعني الوبر بالدم ، فأنزل اللّه
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
إلى آخر الآية « 1 » ، وأصل الحديث في الصحيحين أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على قريش حين استعصوا فقال : « اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف » « 2 » الحديث ، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز ، فجاء أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ قال : بلى قال : فلقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع » فأنزل اللّه هذه الآية . وعن علي بن أبي طالب في الآية قال : « أي لم يتواضعوا في الدنيا ولم يخضعوا ولو خضعوا للّه لاستجاب لهم » .
حَتَّى
ابتدائية
إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
قيل هو عذاب الآخرة ، وقيل قتلهم يوم بدر بالسيف . قاله ابن عباس . وقيل القحط الذي أصابهم . وقيل فتح مكة . وقيل قيام الساعة
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
أي متحيرون لا يدرون ما يصنعون ، والإبلاس التحير والأياس من كل خير . وقرىء مبلسون بفتح اللام من أبلسه أي أدخله في الإبلاس والبلاس ، مثل سلام المسح وهو فارسي معرب ، وأبلس أيس ، وقد تقدم في الأنعام .
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ
امتنّ اللّه سبحانه عليهم ببعض النعم التي أعطاهم ، والمقصود به التقريع والتوبيخ بالنسبة للكافرين وتذكير النعم بالنسبة للمؤمنين وهي نعمة السمع والبصر والفؤاد فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشيء من ذلك لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
أي شكرا قليلا حقيرا غير معتدّ به باعتبار تلك النعم الجليلة ، وقيل المعنى أنهم لا يشكرونه ألبتّة لا أن لهم شكرا قليلا ، كما يقال لجاحد النعمة ما أقل شكره أي لا يشكر ، ومثل هذه الآية قوله :
فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ
[ الأحقاف : 26 ] وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها .
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
أي بثّكم فيها بالنسل كما تبث الحبوب ، وقد تقدم
هامش
( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 394 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 58 ، والترمذي في تفسير سورة 44 ، باب 1 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 534 | صديق الحسيني القنوجي البخاري