أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ
[ الأعراف : 34 ] ، ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية المعنى لأن أمة بمعنى قوم ، ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأن أممهم كان واحدا في التكذيب لهم فقال :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 44 إلى 50 ]
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 )
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 )
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا
يعني إرسال كل رسول متأخر عن انشاء القرن الذي أرسل إليه لا على معنى أن إرسال الرسل جميعا متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعا ومعنى تترا تتواتر واحدا بعد واحد ويتبع بعضهم بعضا من الوتر وهو الفرد ، قال الأصمعي : واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة ، وقال غيره : المتواترة المتتابعة بغير مهلة ؛ والأول أولى لأن ما كان بدونها ، قيل مداركة ومواصلة ، كما في القاموس لا تترا ، وقرىء تترا بالتنوين على أنه مصدر ، قال النحاس : وعلى هذا يجوز تترا بكسر التاء لأن معنى ثم أرسلنا واترنا ، وقرىء بألف من غير تنوين كشبعى ودعوى فألفه للتأنيث ، أو في موضع الحال أي متواترين .
قال ابن عباس : بعضهم على أثر بعض ، أي غير متواصلين ، لأن بين كل رسولين زمنا طويلا .
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء التبليغ
فَأَتْبَعْنا
الأمم والقرون
بَعْضَهُمْ بَعْضاً
أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
أي سمرا وقصصا وأخبارا يسمع بها ويتعجب منها ويتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم ، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به الناس ، كالأعاجيب جمع أعجوبة ، وهي ما يتعجب الناس منه ، أو جمع حديث على غير قياس ، وفي السمين ولكنه شاذ .
وقال الأخفش : إنما يقال ذلك في الشر ولا يقال في الخير ، كما يقال صار فلان حديثا ، أي عبرة ، وكما قال سبحانه في آية أخرى
فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
[ سبأ : 19 ] .
قلت : وهذه الكلية غير مسلمة ، فقد يقال صار فلان حديثا حسنا ، وقد شذت العرب في ألفاظ فجمعوها على صيغة أفاعيل كأباطيل وأقاطيع . وقال الزمخشري :