قالَ
نبيهم لما علم بأنهم لا يصدقون البتة
رَبِّ انْصُرْنِي
عليهم وانتقم لي منهم
بِما كَذَّبُونِ
أي بسبب تكذيبهم إياي
قالَ
اللّه سبحانه مجيبا لدعائه واعدا له بالقبول لما دعا به
عَمَّا قَلِيلٍ
من الزمان وفي معناه عن قريب وعن بمعنى بعد وما مزيدة بين الظرف للتوكيد لقلة الزمان ، كما في قوله :
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ
[ آل عمران : 159 ] .
لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
على ما وقع منهم من التكذيب والعناد ، والإصرار على الكفر ،
ثم أخبر سبحانه بأنهم أخذتهم الصيحة ، وحاق بهم عذابه ، ونزل عليهم سخطه فقال :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
.
قال المفسرون : صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم اللّه بها فماتوا جميعا ، وقيل الصيحة هي نفس العذاب والهلاك الذي نزل بهم
بِالْحَقِّ
أي كائنة بالعدل من اللّه فماتوا ، يقال : فلان يقضي بالحق أي بالعدل ، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم فقال :
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
أي كغثاء السيل قيل الغثاء الجفاء ، وقال الزجاج : هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل فخالط زبده ، وقيل كل ما يلقيه السيل ، والقدر مما لا ينتفع به ، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو ، لأنه من غثا الوادي يغثوا غثوا ، وكذلك غثت القدر ، وقال المحلي : هو نبت يبس ، وعنه : هو العشب إذا يبس ، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء ، وقال ابن عباس : جعلوا كالشئ الميت البالي من الشجر .
فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي بعدوا بعدا ، أو ألزمنا بعدا فهو إخبار أو دعاء واللام لبيان من قيل له ذلك ، كما في سقيا له وجدعا له ، قاله الزمخشري ، وقال الحوفي : متعلق ببعدا ، وهذا مردود لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام ، ووصول المصدر إلى مجرورها البتة ، ولذلك منعوا الاشتغال في قوله :
فَتَعْساً لَهُمْ
[ محمد : 8 ] ، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يستعمل إظهارها ، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل .
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
أي مع رسلهم بعد إهلاكهم ، قيل هم قوم صالح ولوط وشعيب ويونس وأيوب وغيرهم كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود ، وقيل هم بنو إسرائيل وكان فيهم الرسل قبل موسى ، والقرون ، الأمم ، ولعل وجه الجمع هنا للقرون ، والإفراد فيما سبق قريبا أنه أراد ههنا أمما متعددة ، وهناك أمة واحدة ،
ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده فقال :
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ
أي ما يتقدم كل طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا يتأخر عنها ، ومثل ذلك قوله تعالى :
فَإِذا جاءَ