أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ
أي مبعوثون من قبوركم أحياء كما كنتم للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى أنكم للتأكيد ؛ وحسن ذلك طول الفصل بين الأولى والثاني بالظرف ، وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء وقيل بدل من الأولى وإليه ذهب سيبويه .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 36 إلى 43 ]
هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ( 38 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 39 ) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ ( 40 )
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 41 ) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 )
هَيْهاتَ هَيْهاتَ
أي بعد ، وقال ابن عباس : بعيد بعيد ، قال ابن الأنباري :
وفي هيهات عشر لغات ، ثم سردها وهي مبينة في علم النحو ، وقد قرىء ببعضها قال سليمان الجمل : فيه لغات كثيرة تزيد على أربعين ، ثم ذكر منها مشهورها ، وما قرىء به تركناها لقلة الفائدة هنا ، هو اسم فعل ماض بمعنى مصدر والغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الكلمة مكررة ، والثانية توكيد لفظي للأولى وليست المسألة من التنازع ، واللام في
لِما تُوعَدُونَ
لبيان المستبعد كما في قوله :
هَيْتَ لَكَ
[ يوسف : 23 ] ، كأنه قيل لماذا هذا الاستبعاد ؟ فقيل لما توعدون .
والمعنى بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون ، هذا على أن
هَيْهاتَ
اسم فعل وقال الزجاج : هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون على قراءة من نوّن ،
ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم قالوا :
إِنْ هِيَ
أي ما الحياة
إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا
لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها ، حذرا من التكرار وإشعارا بإغنائها عن التصريح كما في هي النفس تتحمل ما حملت ، وهي العرب تقول ما شاءت ، وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على الجنس كانت
إِنْ
النافية بمنزلة لا النافية للجنس ، وجملة :
نَمُوتُ وَنَحْيا
مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا ، وقيل يموت الآباء ويحيا الأبناء ، وقيل يموت قوم ويحيا قوم ، أو يموت بعض ، ويولد بعض ، وينقرض قرن ، فيأتي آخر وفيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وبه قرأ أبيّ وابن مسعود ، ثم صرحوا بنفي البعث ، وأن الوعد به منه افتراء على اللّه فقالوا :
وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
بعد الموت
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
أي ما هو فيما يدعيه من النبوة والبعث إلا مفتريا يكذب على اللّه
وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
أي بمصدقين له فيما يقوله .