تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ
أي علوت
أَنْتَ
واعتدلت
وَمَنْ مَعَكَ
من أهلك وأتباعك
عَلَى الْفُلْكِ
راكبين عليه
فَقُلِ
وكان الظاهر أن يقال ، فقولوا أي أنت ومن معك ، وإنما أفرد نوحا بالأمر بالدعاء المذكور إظهارا لفضله واشعارا في دعائه مندوحة عن دعائهم :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
أي حال بيننا وبينهم وخلصنا منهم كقوله :
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الأنعام : 45 ] وقد تقدم تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والكمال ، وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزما لأنه قد سبق في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من الظلمة وسلامتهم من أن يصابوا بما أصيبوا به من العذاب ، ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة فقال :
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
أي أنزلني في السفينة قرىء منزلا بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر وبفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان فعلى الأولى التقدير أنزلني انزالا مباركا وعلى الثانية أنزلني مكانا مباركا ، قال الجوهري : المنزل بفتح الميم والزاي النزول وهو الحلول تقول : نزلت نزولا ومنزلا . عن مجاهد قال : قال اللّه تعالى لنوح حين أنزل من السفينة ، وقيل أمره اللّه سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخول السفينة ، وقيل عند خروجه منها وأراد بالبركة النجاة من الغرق وكثرة النسل بعد الإنجاء ، والآية تعليم من اللّه لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول . قال الواحدي : قال المفسرون : إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك الحمد للّه وعند نزوله منها :
رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
هذا ثناء منه على اللّه عز وجل اثر دعائه له .
إِنَّ فِي ذلِكَ
أي ما تقدم مما قصه اللّه علينا من أمر نوح عليه السلام والسفينة وهلاك الكفار
لَآياتٍ
أي دلالات على كمال قدرته سبحانه وعلامات يستدل بها على عظيم شأنه
وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
أي لمختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه أو لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي من الناس أو الملائكة ، وقيل المعنى أنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم تارة بالإرسال وتارة بالعذاب لينظر من يعتبر ويذكر كقوله :
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
[ القمر : 15 ] .
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ
أي من بعد إهلاكهم
قَرْناً
أي قوما
آخَرِينَ
قال