تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
السيوطي ، وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين كما مرّ مرارا ، وقدمت قصته لتتصل بقصة آدم المذكورة للمناسبة بين نوح وآدم من حيث إنه آدم الثاني ، لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله .
فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
وحده وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا كما يستفاد من الآيات الآخرة ؛ وجملة
ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
واقعة موقع التعليل لما قبلها ؛ أي ما لكم في الوجود إله غيره سبحانه ، ومن زائدة .
أَ فَلا تَتَّقُونَ
تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحقها غيره وليس لكم إله سواه . وقيل المعنى أفلا تخافون أن يرفع عنكم ما خوّلكم من النعم ويسلبها عنكم ؟ وقيل المعنى أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي تقتضيه ذنوبكم بعبادتكم غيره ؟ .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 24 إلى 27 ]

فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 26 ) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 27 )
فَقالَ الْمَلَأُ
أي الأشراف
الَّذِينَ كَفَرُوا
به
مِنْ قَوْمِهِ
لأتباعهم وحاصل ما ذكروه من الشبه خمسة : أولاها قولهم
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي من جنسكم في البشرية لا فرق بينه وبينكم
يُرِيدُ
أي يطلب
أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ
بأن يسودكم ويتشرف حتى تكونوا تابعين له منقادين لأمره ، ثم صرحوا بأن البشر لا يكون رسولا فقالوا :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ
إرسال رسول
لَأَنْزَلَ
أي لأرسل ملائكة رسلا ، وهي الشبهة الثانية ، وإنما عبر بالإنزال عن الإرسال لأن إرسالهم إلى العباد يستلزم نزولهم إليهم . وقيل معناه لو شاء أن لا يعبد غيره لأنزل
مَلائِكَةً
لا بشرا
ما سَمِعْنا بِهذا
أي بمثل دعوى هذا المدعي للنبوة من البشر ، أو بمثل كلامه ، وهو الأمر بعبادة اللّه وحده ، أو ما سمعنا ببشر يدعي هذه الدعوة ، وقيل الباء زائدة ، وهذه هي الشبهة الثالثة ، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر
فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ
أي في الأمم الماضية قبل هذا ، قالوا هذا اعتمادا منهم على التقليد واعتصاما بحبله ، ولم يقنعوا بذلك حتى ضموا إليه الكذب البحث والبهت الصراح فقالوا :
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ
أي حالة جنون لا يدري ما يقول ، وهي الشبهة الرابعة
فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ
أي انتظروا به حتى يستبين أمره بأن يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى أو حتى يموت فتستريحوا منه ، وهي الشبهة الخامسة ولم يتعرض لردها لظهور فسادها .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 514 | صديق الحسيني القنوجي البخاري