تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
وبين سبحانه أنها عبرة وعظة لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظم القدرة الإلهية ، وخصها بالعبرة دون النبات لأن العبرة فيها أظهر ، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعدما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال :
نُسْقِيكُمْ
بضم النون وفتحها
مِمَّا فِي بُطُونِها
يعني اللبن المتكوّن في بطونها المنصب إلى ضروعها من بين فرث ودم ، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين وأكبر موعظة للمتعظين ، وقرىء بالفوقية على أن الفاعل هو الأنعام ، وذكره هنا بلفظ الجمع لأنه راجع للأنعام مرادا بها الجمع ، وفي النحل قال : مما في بطونه بالإفراد نظرا إلى أن الأنعام اسم مفرد ، ذكره زكريا في متشابه القرآن . وقال الكرماني : إن ما في النحل مراد به بعض الأنعام وهو الإناث ، فأتى بالضمير مفردا مذكرا ، والمراد منه هنا الكل الشامل للإناث والذكور ، بدليل العطف في قوله الآتي :
وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ
، فإن هذا لا يخص الإناث ، وهذا العطف لم يذكر في النحل ، ثم ذكر ما فيها من المنافع اجمالا فقال :
وَلَكُمْ فِيها
أي في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها وهي حية
مَنافِعُ كَثِيرَةٌ
ثم ذكر منفعة خاصة فقال :
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
بعد الذبح ، لما في الأكل من عظيم الانتفاع لهم ، وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال :
وَعَلَيْها
أي وعلى الأنعام فإن أريد بها الإبل والبقر والغنم فالمراد وعلى بعض الأنعام وهو الإبل خاصة ، وإن أريد بها الإبل خاصة فالمعنى واضح ، ثم لما كانت الأنعام غالب ما يكون الركوب عليها في البر ضم إليها ما يكون الركوب عليه في البحر فقال :
وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
تتميما للنعمة وتكميلا للمنّة . ولما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح لأنه أول من صنعه ، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب اهمالهم للتفكر في مخلوقات اللّه سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
وفي ذلك تعزية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وتسلية له ببيان أن قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه ، واللام جواب قسم محذوف والواو للاستئناف ، وهذا شروع في خمس قصص هذا أولها ؛ والثانية قصة هود أولها
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ
[ المؤمنون : 31 ] والثالثة قوله :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
[ المؤمنون : 42 ] والرابعة قصة موسى وهارون المذكورة بقوله :
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ
[ المؤمنون : 45 ] والخامسة قصة عيسى وأمه المذكورة بقوله :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
[ المؤمنون : 50 ] . ثم إن اسم نوح يشكر ، ونوح لقبه على ما قاله الرازي ، أو عبد اللّه على ما قاله
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 513 | صديق الحسيني القنوجي البخاري