درجة من درجاتها على جناحي جبريل ، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل اللّه جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله :
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة » .
قال البغوي ؛ رواه الحسن بن سفيان بالإجازة عن سعيد بن سابق السكندري عن مسلمة بن علي عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس ، والمعنى كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه في الوجوه ، إما بالإفساد وإما بالتصعيد وإما بالتعميق والتغوير في الأرض ، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى ، وفي هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم .
ومثله قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
[ الملك : 30 ] ،
ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال :
فَأَنْشَأْنا
أي أوجدنا
لَكُمْ بِهِ
أي بذلك الماء
جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والادام والفواكه رطبا ويابسا .
وقيل اقتصر سبحانه عليهما لأنهما الموجودان في الطائف والمدينة وما يتصل بذلك ، كذا قال ابن جرير . وقيل لأنهما أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعما ولذة .
لَكُمْ فِيها
أي في هذه الجنات
فَواكِهُ كَثِيرَةٌ
تتفكهون بها
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
وتطعمون منها شتاء وصيفا . وقيل : المعنى ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم ، كقولهم فلان يأكل من حرفة كذا ، وهو بعيد . وقيل المعنى إن لكم فيها فواكه من غير العنب والنخيل . وقيل المعنى لكم في هذين النوعين خاصة فواكه ، لأن فيهما أنواعا مختلفة متفاوتة في الطعم واللون .
وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق اختلافا كثيرا ، وأحسن ما قيل إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس ، وليس بقوت لهم ولا طعام ولا إدام واختلف في البقول هل تدخل الفاكهة أم لا ؟ .
وَشَجَرَةً
قال الواحدي : والمفسرون كلهم يقولون : إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون ، وخصت بالذكر لأنها لا يتعاهدها أحد بالسقي ، وهي التي يخرج الدهن منها ، وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ، تعمر في الأرض كثيرا حتى قال بعضهم إنها تعمر ثلاثة آلاف سنة على ما ذكره الخازن ، فذكرها اللّه سبحانه امتنانا منه على عباده بها ، ولأنها