تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى :
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا
[ مريم : 63 ] ، وقوله :
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الأعراف : 43 ] وشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يجئ يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها اللّه لهم : ويضعها على اليهود والنصارى » « 1 » ، وفي لفظ له قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا كان يوم القيامة دفع اللّه إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول : هذا فكاكك من النار » « 2 » .
هُمْ فِيها خالِدُونَ
حالية أو مستأنفة لا محل لها ، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة ، ولما حث اللّه سبحانه عباده على العبادة ، ووعدهم الفردوس على فعلها وتضمن ذلك المعاد الأخروي عاد إلى تقرير المبدإ ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين ، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة لقوله :
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
[ الروم : 27 ] ، وجملة ما ذكره من الدلائل أنواع أربعة . الأول : الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة آخرها تبعثون . الثاني : خلق السماوات بقوله :
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ
[ المؤمنون : 17 ] . الثالث : إنزال الماء بقوله :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً
[ المؤمنون : 18 ] . الرابع : الاستدلال بأحوال الحيوانات بقوله :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
[ النحل : 66 ] ، وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية فقال .
وَلَقَدْ
أي واللّه لقد
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ
أي الجنس لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم ، وقيل المراد به آدم
مِنْ سُلالَةٍ
فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء ، والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر ، وقيل إنما سمي التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سلّ من كل تربة ، يقال : سلك الشعرة من العجين ، والسيف من الغمد ، فانسل فالنطفة سلالة ، والولد سليل وسلالة أيضا . وقيل السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك فالذي يخرج هو السلالة قاله الكلبي ، وعن ابن عباس قال : السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد وعن ابن مسعود قال : إنّ النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في شعر وظفر ، فيمكث أربعين يوما ثم ينحدر في الرحم فيكون علقة وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدمنا الإشارة إليها أي سلالة كائنة .
مِنْ طِينٍ
من للبيان ، والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في التوبة ، حديث 51 . ( 2 ) أخرجه مسلم في التوبة ، حديث 49 .