الصلاة وآخرا بالمحافظة عليها فليس في الآية تكرار ، والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها ، ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ
أي الأحقّاء بأن يسمّوا بهذا الاسم دون غيرهم ، لأن ضمير الفصل يدل على التخصيص ، والحصر إضافي لا حقيقي ، لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور ، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو ، ولقوله تعالى :
وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] قاله الكرخي ، ثم بين الموروث بقوله :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 11 إلى 17 ]
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 11 ) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 )
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ ( 17 )
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ
لغة رومية معربة ، وقيل فارسية ، وفيل حبشية ، وقيل عربية ، وهو أوسط الجنة وأعلى الجنان ، كما صح تفسيره بذلك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنى أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان ، وهذا بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد اطلاقها وتفسير لها بعد ابهامها ، وتفخيم لها ورفع لمحلها : وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه .
وقيل المعنى أنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فرقوها على أنفسهم ، لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلا في الجنة ومنزلا في النار .
وعن أبي هريرة قال : يرثون مساكنهم ومساكن اخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا اللّه . وعنه قال ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما منكم من أحد إلا وله منزلان ، منزل في الجنة ومنزل في النار ، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله ، فذلك قوله :
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ
» « 1 » أخرجه ابن ماجة وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم ، وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح ، وعبد بن حميد عن انس فذكر قصة ، وفيها أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها » « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد ، باب 39 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 23 ، باب 2 ، وأحمد في المسند 3 / 260 .