تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
كلا القراءتين فالاذن من اللّه سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال أو قاتلهم المشركون قاتلوهم ، قال المفسرون : كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بألسنتهم وأيديهم فيشكون ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول لهم : « اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال » حتى هاجر فأنزل اللّه هذه الآية بالمدينة ، وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية ، وقيل نزلت في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة ، فأذن اللّه في قتال الذين يمنعونهم من الهجرة . وهذه الآية مقررة أيضا لمضمون قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ
فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع اللّه عنهم ، والباء في
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
للسببية أي بسبب ما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد ثم وعدهم اللّه سبحانه النصر على المشركين على طريق الرمز والكناية كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم فقال :
وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
وفيه تأكيد لما مر من المدافعة أيضا ، أخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي وابن ماجة ، عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة قال أبو بكر : أخرجوا نبيهم إنا للّه وإنا إليه راجعون ؛ ليهلكن القوم فنزلت :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ
الخ ، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين ، ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله :
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ
المراد بالديار مكة
إِلَّا أَنْ يَقُولُوا
. قال سيبويه : هو استثناء منقطع أي لكن لقولهم :
رَبُّنَا اللَّهُ
أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم : ربنا اللّه وحده ، وقال الفراء والزجاج : هو استثناء متصل والتقدير : الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا ربنا اللّه فيكون مثل قوله سبحانه :
هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ
[ المائدة : 59 ] .
وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ
وقرىء دفاع
بَعْضَهُمْ
بدل بعض من الناس
بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ
بالتشديد للتكثير وبالتخفيف أي لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل ؛ وتكرر الهدم لكثرة المواضع
صَوامِعُ
للرهبان ومعابدهم المتخذة في الصحراء ، وقيل صوامع الصائبين وهي جمع صومعة وهي بناء مرتفع محدب يقال : صمع الثريدة إذا رفع رأسها ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة والأصمع من الرجال الحديد القول ، وقيل الصغير الأذن ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام .
وَبِيَعٌ
جمع بيعة وهي كنيسة النصارى في البلد ، وقيل مساجد اليهود
وَصَلَواتٌ
هي كنائس اليهود وقيل النصارى ، وقد ذكر ابن عطية في صلوات تسع قراآت وهي جمع صلاة وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها ، وقيل هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتا قاله السمين ، ومعناه في لغتهم المصلى فلا يكون مجازا ، قاله الشهاب .