والظاهر أن هذا تبشير لأمته صلّى اللّه عليه وسلّم بوراثة أرض الكافرين ، وعليه أكثر المفسرين .
قال ابن عباس : أخبر اللّه سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون ، وقيل عام في كل صالح فيتناول أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وغيرها من الأمم .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 106 إلى 112 ]
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 108 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ ( 109 ) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ( 110 )
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 111 ) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 112 )
إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً
أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه لكفاية ووصول إلى البغية ، قاله الرازي ، يقال : في هذا الشيء بلاغ ، وبلغة وتبلغ أي كفاية ، وقيل الإشارة بهذا إلى القرآن ، والقرآن زاد الجنة ، كبلاغ المسافر .
لِقَوْمٍ عابِدِينَ
أي مشغولين بعبادة اللّه مهتمين بها ، والعبادة هي الخضوع والتذلل ، وهم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ورأس العبادة الصلاة قال أبو هريرة : الصلوات الخمس ، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي ، عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الآية قال : « إن في الصلوات الخمس شغلا للعبادة » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية وقال : « هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة » ، وقيل هم العالمون العاملون الموحدون ، وقال الرازي : والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين ، لأن العلم كالشجرة ، والعمل كالثمرة ، والشجر بدون الثمر غير مفيد ، والثمر بدون الشجر غير كائن .
وَما أَرْسَلْناكَ
يا محمد بالشرائع والأحكام
إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
أي الإنس والجن ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ؛ والعلل أي : ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة ، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين ، وقيل معنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال ، وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة ، والأول أولى ، بدليل قوله سبحانه :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] .
وعن ابن عباس في الآية قال : من آمن تمت به الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من المسخ ، والخسف والقذف .