تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
وأما على الثانية فالكتاب مصدر ، واللام للتعليل ، أي كما يطوى الطومار ، للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة وهذا على أن معنى الطي ضد النشر . وعن علي قال : كطي السجل ملك ، وعن عطية وأبي جعفر مثله ، قال ابن عمر : السجل ملك ، فإذا صعد بالاستغفار قال : اكتبوها نورا .
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ
بعد إعدامه تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم ، وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلا ، كذلك نعيدهم يوم القيامة ، وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويرا للإيجاد عن العدم ، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما ، وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة ، قاله ابن عباس ، وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها ، والأول أولى ؛ وهو مثل قوله :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ الأنعام : 94 ] ثم قال سبحانه .
وَعْداً عَلَيْنا
أي وعدنا وعدا علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك بقوله :
إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال ، قال الزجاج : معناه إنا كنا قادرين على ما نشاءه ، وقيل فاعلين ما وعدناكم ، ومثل قوله :
كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا
[ المزمل : 18 ] .
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ
هو في الأصل الكتاب ، يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل ، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور ، والمراد جنس الكتب المنزلة ، قاله الزجاج . وقيل المراد به هنا كتاب داود خاصة
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أي اللوح المحفوظ كما في البيضاوي والخازن وأبي السعود وأبي حيان . وقيل هو القرآن قاله ابن عباس ، وعنه قال : والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء أي واللّه لقد كتبنا في كتاب داود من بعد كتبنا في كتاب داود من بعد كتبنا في التوراة أو من بعد كتبنا في اللوح المحفوظ .
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
قد اختلف في معنى هذه الآية فقيل المراد أرض الجنة ، قاله ابن عباس ، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه :
وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
[ الزمر : 74 ] ، وقيل هي الأرض المقدسة ، وقيل هي أرض الأمم الكثيرة الكافرة ، يرثها نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم وأمته بفتحها ، وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله سبحانه :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها
[ الأعراف : 137 ] .