إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا محمد ألست تزعم أن عزيرا رجل صالح وأن عيسى رجل صالح ، وأن مريم امرأة صالحة ؟ قال : « بلى » ، قال : « فإن الملائكة وعيسى وعزيرا ومريم يعبدون من دون اللّه ، فهؤلاء في النار » ، فأنزل اللّه هذه الآية إلى آخرها أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس وأخرجه أبو داود والطبراني من وجه آخر بأطول منه .
يَوْمَ نَطْوِي
بنون العظمة أي اذكر يوم نطوي
السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
وقرىء تطوى بالفوقية ورفع السماء ، وبالتحتية على معنى يطوي اللّه السماء ، والأولى أظهر وأوضح والطي في هذه الآية يحتمل معنيين :
أحدهما الذي هو ضد النشر ، ومنه قوله :
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] .
والثاني الإخفاء والتعمية والمحو ، لأن اللّه سبحانه يمحو ويطمس رسومها ، ويكدر نجومها ، والمراد بالسماء الجنس والسجل الصحيفة أي طيا كطي الطومار للكتابة ، وقيل السجل الصك وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو ، يقال ساجلت الرجل ، إذا نزعت دلوا ونزع هو دلوا ؛ ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام ، وقرىء السّجلّ بضم السين والجيم وتشديد اللام ، وقرىء السّجل بفتح السين وإسكان الجيم ، وقيل السجل اسم ملك في السماء الثالثة ، وهو الذي يطوي كتب بني آدم .
وقيل هو اسم كاتب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قاله ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي ، وعن ابن عمر مثله ، قال ابن كثير : هذا منكر جدا ، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه ، وإن كان في سنن أبي داود منهم الحافظ المزي وقد أفرد الشوكاني لهذا الحديث جزءا على حدة ، وقد تصدى الإمام ابن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد ، وقال : ولا نعرف في الصحابة أحدا اسمه سجل ، وكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا معروفين ، وليس فيهم أحد اسمه السجل انتهى ، وصدق رحمه اللّه في ذلك ، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث ، وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره واللّه أعلم ، قال : والصحيح عن ابن عباس أن السجل هو الصحيفة ، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد ، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة ، قلت فالأولى التعويل على المعنى اللغوي ؛ والمصير إليه .
وأخرج النسائي عن ابن عباس قال : السجل هو الرجل أي بلغة الحبشة ، والأول أولى ، وقرىء للكتب جمعا ؛ وللكتاب وهو متعلق بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائنا للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعض أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة .