من أمة داود
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
أي لحكم الحاكمين ، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين ، وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري والرضي وتقدمهما إلى القول به الفراء ، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان وتدل عليه قراءة لحكمهما .
وقيل المراد الحاكمان والمحكوم عليه فهؤلاء جماعة وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز ، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله ، والمجاز إضافته ، لمفعوله ، ومعنى
شاهِدِينَ
حاضرين ، والجملة اعتراضية .
وقد روى البيهقي في سننه عن ابن مسعود ، ولفظه قال : كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم ؛ فقال سليمان : غير هذا يا نبي اللّه ، قال : وما ذاك ؟ قال : يدفع الكرم إلى صاحب الغنم ، فيقوم عليه حتى يعود كما كان ، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان ، دفعت الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها فذلك قوله .
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 79 إلى 82 ]
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ ( 79 ) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ ( 81 ) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ ( 82 )
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ
وعن مسروق نحوه ، وكذا عن ابن عباس لكنه لم يذكر الكرم ، وعنه بأطول منه ، والضمير المنصوب يعود إلى القضية المفهومة من الكلام أو إلى الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم .
وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال : هاتوا السكين أشقه بينهما فقالت الصغرى : رحمك اللّه هو ابنها لا تشقه فقضى به للصغرى » « 1 » وهذا الحديث وإن لم يكن داخلا فيما حكته الآية لكنه من جملة ما وقع لهما .
قال المفسرون : دخل رجلان على داود وعنده ابنه سليمان ، أحدهما صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، فقال صاحب الحرث : إن هذا انفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي ، فلم تبق منه شيئا ، فقال : لك رقاب الغنم فقال سليمان : أو غير ذلك
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء ، باب 40 ، ومسلم في الأقضية حديث 20 ، والنسائي في القضاة باب 14 ، وأحمد في المسند 2 / 322 .